ثمة إشكاليةً محوريةً في السياسة المقارنة، تتعلق بطبيعة الشرعية السياسية في المملكة السعودية في ظل التحولات البنيوية العميقة التي شهدتها منذ عام 2015. وتنطلق الاشكالية من فرضية أساسية مفادها أن الأنظمة الاستبدادية التطويرية تسعى إلى تعويض الغياب التمثيلي بالأداء الاقتصادي، غير أن هذه المقايضة محفوفة بتوترات بنيوية تهدّد استدامتها على المدى البعيد.
في الإطار النظري، ثمة مركّب يجمع بين نظرية الشرعية عند ماكس فيبر وتحليلات الاقتصاد السياسي لنظم الريع، فضلًا عن المقاربة التفسيرية لـ”عقد الحوكمة” في دول الخليج. وأن مسار إصلاح رؤية 2030 يُنتج نمطًا هجينًا من الشرعية يمزج بين الأداء التحديثي والسلطة الكاريزمية والهوية الوطنية الجديدة، بيد أن مركزية القرار المفرطة تُولّد هشاشةً مؤسسية تجعل نجاح الإصلاح رهيناً بالقدرة الفردية لصانع القرار.
استهلالًا يمكن القول، أن عام 2015 يُعدّ منعطفًا تحليليًا فارقًا في تاريخ المملكة السعودية المعاصرة؛ إذ شهدت تلك السنة تحولات جوهرية في بنية الحكم: وفاة الملك عبدالله وتولي سلمان العرش في 23 يناير من العام نفسه، وفي العام التالي إطلاق أضخم برنامج إصلاحي في تاريخ المملكة المتمثل في “رؤية السعودية 2030” في أبريل 2016، وبروز محمد بن سلمان الابن الأصغر للملك سلمان كقوة محركة خلف الكواليس قبل أن يُعيَّن وليًا للعهد عام 2017.
وقد استأثر هذا المشهد باهتمام الباحثين في السياسة المقارنة ودراسات الشرق الأوسط، وتفرّعت النقاشات حول تساؤلات جوهرية: هل تُمثّل “رؤية 2030” تحديثًا حقيقيًا أم أنها ديناميكية لإعادة تكوين الاستبداد بثوب عصري؟ وهل يُفضي الإنجاز الاقتصادي، على فرض تحقّقه، إلى شرعية سياسية مستدامة في غياب التمثيل الشعبي؟ وكيف تؤثر مركزية السلطة في يد قائد واحد على مآلات الإصلاح؟
تتشابك هذه التساؤلات في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد: فالربيع العربي وما أعقبه أفرز بيئةً من عدم اليقين دفعت النخب الخليجية إلى الاستباق الإصلاحي قبل أن يفرضه الضغط الشعبي، فيما ولّد تراجع أسعار النفط عام 2014 ضرورة اقتصادية ملحّة لإعادة هيكلة النموذج الريعي. وعلى الصعيد الدولي، فرضت متطلبات الاندماج في الاقتصاد العالمي معايير جديدة للحوكمة والشفافية.
ومن هذا المنطلق، لابد من الإجابة عن السؤال المحوري الآتي: كيف تُدار شرعية الحكم في المملكة السعودية في عصر التحول ما بعد 2015؟ وما هي الآليات التي يلجأ إليها النظام لتعزيز قبوله الاجتماعي في ظل غياب المؤسسات التمثيلية؟
نظريات الشرعية
أرسى ماكس فيبر الأساس التحليلي لفهم الشرعية السياسية في عمله الرائد “الاقتصاد والمجتمع” الصادر في عام 1922، إذ ميّز بين ثلاثة أنماط مثالية للسيطرة المشروعة: السيطرة التقليدية المستندة إلى العرف والموروث، والسيطرة الكاريزمية القائمة على جاذبية القائد الاستثنائية، والسيطرة القانونية ـ العقلانية المرتكزة على منظومة من القواعد المقننة[1]. غير أن تطبيق هذا الإطار على السياق السعودي يكشف عن تداخل هذه الأنماط الثلاثة وتشابكها في ترتيب هجين يصعب تصنيفه.
وقد أضاف الباحث الاكاديمي الكندي ديفيد إيستون بُعدًا وظيفيًا للنقاش، إذ ربط استقرار النظام السياسي بقدرته على إنتاج “المخرجات” الملبِّية لتوقعات المواطنين، مُميِّزًا بين الدعم النوعي المرتبط بالأداء الآني، والدعم الانتشاري Diffuse Support المرتكز إلى الولاء المُؤسَّس تاريخيًا. وهذا التمييز بالغ الأهمية لتحليل الحالة السعودية، حيث يسعى النظام إلى تحويل الدعم النوعي المرتبط بريع النفط إلى دعم انتشاري مرتكز على هوية وطنية جديدة.[2]
في السياق الخليجي، يقدّم كريستيان كوتس أولريكسن تفسيرًا بنيويًا لطبيعة الدولة الريعية، من خلال ما يصفه بـ”عقد الحوكمة” (Governance Compact)، وهو العقد الضمني الذي يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع منذ الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي. لا يقوم هذا العقد على المشاركة السياسية أو التمثيل الديمقراطي، وإنما على معادلة تبادلية قوامها توفير الدولة مستويات مرتفعة من الرفاه الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، مقابل قبول المجتمع باحتكار السلطة السياسية من قبل الأسرة الحاكمة، والحد من المطالبة بالمشاركة في صناعة القرار[3].
وتستند هذه المعادلة إلى ثلاثة أعمدة مترابطة. يتمثل العمود الأول في إعادة توزيع الريع النفطي عبر الدعم السخي للسلع والخدمات الأساسية، والإنفاق الاجتماعي، والإسكان، والتعليم، والرعاية الصحية، بما يضمن مستويات معيشية مرتفعة ويُخفّف من احتمالات الاحتجاج الاجتماعي. أما العمود الثاني فهو التوظيف الحكومي، الذي لم يكن مجرد سياسة اقتصادية لمعالجة البطالة، بل أصبح أداة سياسية لشراء الولاء الاجتماعي وترسيخ علاقة الاعتماد المتبادل بين المواطنين والدولة، حيث تحولت الوظيفة العامة إلى أحد أهم أشكال توزيع الريع، وإلى ضمانة للاستقرار الاجتماعي أكثر منها استجابة لمتطلبات الكفاءة الاقتصادية. ويتمثل العمود الثالث في الرقابة الأمنية، التي تؤدي دورًا تكميليًا للعقد الريعي؛ فكلما تراجعت فعالية أدوات إعادة التوزيع، ازداد الاعتماد على الأجهزة الأمنية والتشريعات المقيدة للحريات والرقابة الرقمية لضبط المجال العام ومنع تشكل معارضة سياسية منظمة.
ويرى أولريكسن أن هذا النموذج الذي وفر استقرارًا نسبيًا لعقود طويلة، بدأ يواجه ضغوطًا هيكلية متزايدة خلال العقدين الأخيرين. فمن جهة، أدى النمو السكاني السريع وارتفاع نسبة الشباب إلى تضاعف الطلب على الوظائف والخدمات العامة، بينما أصبحت الدولة أقل قدرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل. ومن جهة أخرى، أدت تقلبات أسعار النفط وتزايد الالتزامات المالية للدولة إلى تقليص الفوائض الريعية التي شكّلت الأساس المالي لهذا العقد. كما أن التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعًا يفرض تقليص دور القطاع العام وتشجيع القطاع الخاص، وهو ما يعني عمليًا إعادة تعريف العلاقة التقليدية بين الدولة والمواطن.
ومن هذا المنطلق، يؤكد أولريكسن أن دول الخليج تواجه معضلة انتقالية دقيقة؛ فهي مطالبة بالانتقال من نموذج الدولة الريعية إلى نموذج الاقتصاد الإنتاجي، لكن نجاح هذا التحول لا يتوقف على الإصلاحات الاقتصادية وحدها، بل يتطلب إعادة صياغة العقد الاجتماعي نفسه. فكلما تقلصت قدرة الدولة على شراء الشرعية عبر الإنفاق الريعي، ازدادت الحاجة إلى بناء مصادر جديدة للشرعية تستند إلى الكفاءة المؤسسية، وسيادة القانون، والمساءلة، وتوسيع المشاركة المجتمعية في صنع السياسات العامة. أما إذا اقتصر التحول على إعادة هيكلة الاقتصاد من دون تطوير موازٍ لبنية الحوكمة، فإن الفجوة بين توقعات المجتمع وقدرات الدولة قد تتسع، بما يهدد بإضعاف الاستقرار الذي وفره العقد الريعي التقليدي لعقود طويلة.
في الحالة السعودية، تمثل إصلاحات محمد بن سلمان في جوهرها محاولة لإعادة صياغة هذا العقد الاجتماعي، من خلال الانتقال من معادلة “الريع مقابل الطاعة” إلى معادلة جديدة قوامها “الإنتاجية والفرص مقابل الولاء”، مع الإبقاء على الاحتكار السياسي للسلطة. وهذه النقطة تفتح نقاشًا نظريًا مهمًا حول ما إذا كانت المملكة السعودية بصدد الانتقال إلى شرعية الأداء (Performance Legitimacy) بدلًا من الشرعية الريعية (Rentier Legitimacy)، وهو ما يربط بصورة مباشرة بين أطروحات أولريكسن، وكتابات حازم ببلاوي، وجياكومو لوتشياني، وأندرو ناثان حول شرعية الأداء في الأنظمة غير الديمقراطية.
نظرية الدولة الريعية وحدودها التفسيرية
شكّلت نظرية الدولة الريعية، التي أرسى دعائمها حسين مهدوي (1970) وطوّرها حازم بيبلاوي وجياكومو لوسياني في المرجع الكلاسيكي “الدولة العربية” (1987)، الإطار التفسيري الأكثر حضورًا في تحليل السياسة السعودية. فقد عرّف مهدوي الدولة الريعية بأنها الدولة التي يحصل فيها جزء كبير من الإيرادات الوطنية من “ريع خارجي” يتدفق من خارج الاقتصاد المحلي، وهو التعريف الذي أصبح أساسًا للأدبيات اللاحقة[4].
وتقوم نظرية الدولة الريعية على محور تحليلي أساسي: في الدول التي تستمد إيراداتها من مصادر خارجية كالنفط دون أن تعتمد على ضرائب المواطنين، تتحلل الرابطة السببية بين الضريبة والتمثيل، مما يُفضي إلى نمط من الحوكمة السلطوية المستدامة بالريع[5].
غير أن النظرية الريعية الكلاسيكية، كما صاغها حازم ببلاوي وجياكومو لوتشياني، تبدو أقل قدرة على تفسير التحولات التي تشهدها المملكة السعودية في إطار رؤية 2030. فهي تفترض وجود علاقة مستقرة نسبيًا بين الدولة والمجتمع، تقوم على تبادل الريع مقابل الامتثال السياسي، حيث تؤمّن الدولة الرفاه الاقتصادي من خلال عوائد النفط، بينما يقبل المواطنون باحتكار السلطة السياسية مقابل استمرار هذا التدفق الريعي. إلا أن مشروع التحول السعودي لا يستهدف مجرد تحسين إدارة الدولة الريعية، بل يسعى إلى إعادة تشكيل أسسها الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تقليص الاعتماد على النفط، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص، وإعادة تعريف دور الدولة بوصفها منظمًا ومحفزًا للاستثمار، لا رب عملٍ أول أو موزعًا رئيسيًا للريع.
وفي هذا السياق، يقدّم ستيفن هيرتوغ مساهمة نظرية مهمة من خلال دراسته المرجعية Princes, Brokers, and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia، إذ يلفت الانتباه إلى أن الإصلاحات التي تشهدها الدول الريعية لا تعني بالضرورة تفكيك بنيتها السياسية أو الانتقال إلى نموذج أكثر انفتاحًا، وإنما قد تؤدي إلى إعادة إنتاجها في صورة أكثر كفاءة وتركيزًا للسلطة. فالدولة الريعية، بحسب هيرتوغ، تمتلك قدرة ملحوظة على التكيّف مع المتغيرات الاقتصادية عبر تحديث أدواتها البيروقراطية، وإعادة هيكلة مؤسساتها، وتطوير قدراتها الإدارية، مع الإبقاء على جوهر النظام السياسي القائم[6].
ومن هنا برز ما يمكن تسميته بـ”الاستبداد الريعي المُحدَّث” (Modernized Rentier Authoritarianism)، حيث لا يجري التخلي عن الريع، بل يعاد توظيفه بوسائل مختلفة. فبدلًا من توزيعه في صورة وظائف حكومية ودعم واسع النطاق، يُعاد استثماره في صناديق الثروة السيادية، والمشروعات العملاقة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، بهدف إنتاج مصادر دخل مستقبلية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد. وفي الوقت نفسه، تتزايد مركزية القرار السياسي، وتتوسع صلاحيات الأجهزة التنفيذية، ويُعاد تشكيل النخب الاقتصادية والإدارية بما يضمن توافقها مع المشروع السياسي الجديد.
وبذلك يصبح الإصلاح الاقتصادي ذاته أداة لإعادة بناء الدولة السلطوية، لا مقدمةً لتحريرها سياسيًا. فالتحديث هنا يطال آليات الإدارة والإنتاج والاستثمار، بينما تبقى بنية السلطة محتفظة بخصائصها الأساسية، بل قد تصبح أكثر قدرة على الضبط بفعل التكنولوجيا، والحوكمة الرقمية، وتركيز القرار، وتعاظم الدور الاقتصادي للدولة من خلال المؤسسات السيادية. ومن ثمّ، فإن ما يجري في السعودية لا يمثل انتقالًا من الدولة الريعية إلى دولة ما بعد الريع بالمعنى التقليدي، وإنما انتقالًا من الريعية التوزيعية إلى الريعية الاستثمارية، ومن شراء الولاءات بالاستهلاك إلى إعادة إنتاج الشرعية عبر الأداء الاقتصادي والإنجاز التنموي، مع استمرار الاحتكار السياسي للسلطة.
ولهذا يميز هيرتوغ بين إصلاح الدولة الريعية وتفكيك الدولة الريعية. فالأول يعني تحديث أدوات الإدارة الإقتصادية، ورفع كفاءة المؤسسات، وتنويع مصادر الدخل مع الحفاظ على البنية السلطوية، أما الثاني فيفترض تحولًا أعمق يمس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤدي إلى إعادة توزيع السلطة السياسية، وتعزيز المساءلة، وربط الشرعية بالتمثيل الشعبي لا بالقدرة على إدارة الموارد. ومن هذه الزاوية، تبدو رؤية 2030 أقرب إلى النموذج الأول منها إلى الثاني؛ فهي تسعى إلى إعادة هندسة الإقتصاد وإعادة صياغة العقد الاجتماعي، دون أن يصاحب ذلك تحول مماثل في بنية النظام السياسي.
الاستبداد التطويري: هل ينجح النموذج الآسيوي في الخليج؟
أثار نجاح التجارب التنموية في كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان موجةً واسعة من الدراسات المقارنة حول “الاستبداد التطويري”، أي القدرة على تحقيق تنمية اقتصادية شاملة في غياب الديمقراطية التعددية. وقد طوّر تشالمرز جونسون هذا المفهوم في سياقه الآسيوي في كتابه “MITI وأعجوبة اليابان” (1982)[7]. في هذا الكتاب، طوّر جونسون مفهوم الدولة التنموية مجادلًا بأن نجاح اليابان الاقتصادي لم يكن نتاج اقتصاد السوق الحر وحده، بل نتيجة وجود بيروقراطية قوية ومستقلة نسبيًا، تقودها وزارة التجارة والصناعة الدولية، وتتمتع بقدرة عالية على توجيه التنمية الصناعية[8].
فيما أسهم آدم برزيورسكي ومعاونوه في الاختبار التجريبي لفرضيته في دراستهم الاحصائية الكبرى “الديمقراطية والتنمية 2000”. وقد ناقض الكتاب في أحد فصوله ربط طبيعة النظام السياسي بالتنمية الاقتصادية التي تبناها في آواخر الخمسينيات والتر جالنسون وكارل دي شفينيتز، اللذان جادلا، بأن الديمقراطية في الدول الفقيرة تُطلق العنان لضغوط الاستهلاك الفوري، الذي يحدث على حساب الاستثمار، وبالتالي على حساب النمو. وعلى مستوى الحكومات، فقد لاحظ أنه “كلما كانت الحكومة أكثر ديمقراطية، زاد تحويل الموارد من الاستثمار إلى الاستهلاك”. وذهب صموئيل هنتغتون إلى أن “مصلحة الناخبين تدفع الأحزاب عمومًا إلى إعطاء توسيع الاستهلاك الشخصي أولوية أعلى من خلال الاستثمار مما قد يحصل عليه في نظام غير ديمقراطي”[9].
تُظهر الأدبيات المقارنة حول الدولة التنموية في شرق آسيا، كما عند تشالمرز جونسون، أن نجاح هذا النموذج ارتبط بوجود بيروقراطية مركزية مستقلة وفعّالة. غير أن دراسات الاقتصاد السياسي للخليج، ولا سيما أعمال ستيفن هيرتوغ، تشير إلى أن البنية البيروقراطية في السعودية تتسم بتعدد مراكز القرار وتداخل شبكات الزبائنية، ما يحدّ من إمكانية استنساخ النموذج التنموي الآسيوي في سياق ريعي.
بنية الحكم السعودي قبل 2015
1 ـ العقد الاجتماعي التقليدي
قامت الشرعية السياسية للدولة السعودية تاريخيًا على بنية ثلاثية متداخلة، تتشكل من تفاعل الدين والقبيلة والريع، وهو ما تؤكده الأدبيات الكلاسيكية حول تشكّل الدولة السعودية الحديثة. الركيزة الأولى تتمثل في التحالف التأسيسي بين آل سعود والحركة الوهابية، الذي يعود إلى ميثاق الدرعية عام 1744 بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، والذي أسّس لنمط من الشرعية الدينية السياسية المتبادلة؛ إذ وفّر الخطاب الوهابي شرعية دينية للتوسع السياسي، مقابل تمكين الدولة الناشئة للمؤسسة الدينية من الهيمنة على المجال الديني والاجتماعي.
وقد لعب هذا التحالف دورًا محوريًا في توحيد القبائل في نجد وتأسيس سلطة سياسية مركزية، ضمن ما تصفه بعض الدراسات بأنه نموذج “تسييس العقيدة” في بناء الدولة في الجزيرة العربية[10].
أما الركيزة الثانية فتتمثل في إدارة الولاءات القبلية والعائلية عبر آليات الزبائنية السياسية وإعادة توزيع المنافع، حيث اعتمدت الدولة السعودية منذ مراحلها المبكرة على دمج البنى القبلية في جهازها الإداري والعسكري، وتوسيع شبكات الولاء عبر التوظيف والامتيازات بدل فرض نظام ضريبي ـ تمثيلي تقليدي. هذا النمط يرتبط مباشرة بأدبيات الدولة الريعية التي تفسر ضعف تشكل مؤسسات تمثيلية في الدول المعتمدة على الريع الخارجي[11].
أما الركيزة الثالثة فهي الدولة الريعية النفطية التي تشكلت منذ الطفرة النفطية في السبعينيات، والتي أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر قدرة الدولة على توفير الرفاه والأمن والوظائف العامة دون الاعتماد على الضرائب المباشرة، وهو ما يُعد من السمات المركزية لنظرية الدولة الريعية كما صاغها ببلاوي ولوتشياني في عملهما الكلاسيكي حول الدولة الريعية العربية[12].
وفي هذا السياق، يذهب ستيفن هيرتوغ إلى أن الدولة السعودية لا يمكن اختزالها في نموذج ريعي بسيط، بل هي بنية مؤسسية مركبة تتسم بتعدد مراكز القرار وتفاوت القدرات البيروقراطية، ما أدى إلى نشوء “جزر مؤسسية” داخل الدولة نفسها، تجمع بين الكفاءة في بعض القطاعات والضعف البنيوي في أخرى[13].
على أي حال، فقد أفضى البناء التنظيمي السعودي إلى استقرار سياسي طويل الأمد، غير أنه أنتج في الوقت ذاته إشكاليات بنيوية عميقة: اتكالية اقتصادية مفرطة على الريع النفطي، وجهاز بيروقراطي ضخم يستوعب المواطنين دون الحاجة إلى إنتاجية فعلية، وتعليمًا دينيًا لا يُلبي متطلبات اقتصاد المعرفة. فضلًا عن ذلك، أنتج هذا البناء نمطًا محافظًا من صنع القرار تتوزع فيه السلطة بين عدد كبير من كبار الأمراء بما يُعيق الحسم والفاعلية. وقد استقر هذا الوضع لأكثر من نصف قرن، أي حتى عام 2015.
2 ـ أزمة النموذج: الضغوط الداخلية والخارجية
بحلول العقد الثاني من الألفية الثالثة، كانت الضغوط على النموذج السعودي التقليدي قد بلغت ذروتها. ففي الداخل، تشير التقديرات الديموغرافية إلى أن نحو 70% من السكان دون سن الثلاثين، مما يعني ضرورة توفير مئات الآلاف من فرص العمل سنويًا في سوق عمل يُهيمن عليه القطاع العام والعمالة الوافدة. وعلى الصعيد المالي، أفقد تراجع أسعار النفط من 115 دولارًا للبرميل عام 2014 إلى دون 30 دولارًا مطلع 2016 قدرةَ الدولة على الحفاظ على مستوى الإنفاق الاجتماعي التقليدي.
وفي السياق الإقليمي، كشف “الربيع العربي” عن هشاشة الأنظمة التي كانت تبدو راسخة، مما أثار قلقًا حقيقيًا لدى النخبة السعودية. وقد استقرأ مسؤولون سعوديون كبار دروس الأزمة اليمنية والسورية والمصرية، وخلصوا إلى أن الوقاية تستلزم إصلاحًا استباقيًا يُخفف الضغوط دون أن يتخلى عن مقاليد السيطرة.
رؤية 2030 ـ بنية الإصلاح وآليات الشرعية الجديدة
1 ـ محتوى البرنامج ومنطقه السياسي
أُعلنت “رؤية المملكة 2030” في أبريل 2016 على لسان محمد بن سلمان، ولي ولي العهد آنذاك، وتضمنت جملة أهداف طموحة: رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي من 40% إلى 65%، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل من 17% إلى 30%، وتنويع مصادر الدخل الحكومي عبر تطوير السياحة والترفيه والصناعة والتعدين. كما تضمنت الرؤية طرح أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام بوصفها أداةً لتعبئة الثروة النفطية وتوجيهها نحو صندوق الاستثمارات العامة.
يقدّم مايكل هِرب قراءةً مغايرة لبنية الشرعية السياسية في المملكة السعودية، ترتكز على تحليل العلاقة بين المؤسسات التمثيلية المحدودة واستقرار النظام الملكي، دون افتراض انتقال نحو الديمقراطية التعددية. ففي دراسته حول الملكيات الشرق الأوسطية، وبشكل أكثر تفصيلًا في عمله حول الملكيات الخليجية، يرى هِرب أن النظام السياسي السعودي نجح في تطوير صيغة خاصة من “التمثيل غير الديمقراطي”، تقوم على إدماج مجالس وهيئات استشارية وبرلمانية ذات صلاحيات مقيدة داخل بنية سلطوية مركزية، بما يسمح بإنتاج قنوات منظمة للتعبير السياسي دون المساس بجوهر السلطة التنفيذية.
وفي هذا السياق، لا تُفهم هذه المؤسسات بوصفها أدوات انتقال ديمقراطي، بل كآليات وظيفية لإدارة النخب المحلية وتخفيف ضغط المطالب السياسية عبر “مأسسة المشاركة المحدودة”، بحيث تُحوَّل التفاعلات الاجتماعية والسياسية إلى مسارات مؤسسية مضبوطة. ويؤكد هِرب أن هذا النمط لا يعكس حالة ضعف مؤسساتي بقدر ما يعكس تصميمًا سياسيًا مقصودًا يهدف إلى تحقيق الاستقرار عبر توزيع مُحكَم لصلاحيات المشاركة دون تفكيك مركز القرار[14].
وعليه، فإن الحالة السعودية ـ وفق هذا التحليل ـ لا تُفهم كمرحلة انتقالية نحو نموذج ديمقراطي، بل كنموذج مستقر من الحكم الملكي الذي يعيد إنتاج شرعيته عبر دمج محدود للتمثيل السياسي داخل بنية سلطوية عالية المركزية، بما يضمن التوازن بين الاستقرار السياسي وإدارة التعدد الاجتماعي.
الإصلاح الاجتماعي كأداة شرعية
لا يمكن فهم الإصلاحات الاجتماعية ضمن رؤية 2030 بمعزل عن سياقها السياسي. فالسماح في عام 2018 للمرأة بقيادة السيارات وافتتاح دور السينما، وإطلاق بيئات الترفيه والفعاليات الثقافية، وتخفيف قواعد الاختلاط بين الجنسين، تجاوزت كونها مجرد تدابير اجتماعية لتُصبح أدوات لتشكيل قاعدة دعم جديدة من الشباب المتوق إلى التحرر من القيود التقليدية.
تشير الأدبيات الحديثة إلى أن رؤية 2030 لا تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي فحسب، بل تنطوي أيضًا على مشروع لإعادة بناء الهوية الوطنية. فقد بيّنت مضاوي الرشيد أن القيادة السعودية تعمل على ترسيخ قومية سعودية جديدة تتمحور حول الدولة والولاء الوطني أكثر من الارتكاز إلى المرجعية الدينية التقليدية[15]. بينما ثمة من يرى أن الإصلاحات الثقافية والترفيهية وإعادة تنظيم المجال الديني تمثل جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف صورة المملكة داخليًا وخارجيًا.
تحدي التنفيذ: الفجوة بين الطموح والواقع
رغم بريق الأهداف، كشف التطبيق الفعلي للرؤية عن تحديات بنيوية عميقة. فمن حيث التنويع الاقتصادي، لا يزال النفط يُشكّل الجزء الأكبر من إيرادات الدولة، في حين تواجه مساعي تطوير القطاع الخاص غير النفطي تحديات تتعلق بجاذبية بيئة الأعمال وكفاءة الجهاز البيروقراطي. أما التوطين (أو السعودة) فقد بات مصدر توتر في بعض القطاعات بين متطلبات خفض تكاليف العمالة الوافدة ومتطلبات استمرار عمل الشركات.
تثير أدبيات تنفيذ السياسات العامة ما يُعرف بـ”الفجوة التنفيذية” أي الفارق بين الأهداف الطموحة التي تتضمنها برامج الإصلاح وبين قدرة الجهاز الإداري على تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وقد بيّن برسمن وويلدافسكي في دراستهما الكلاسيكية أن نجاح الإصلاحات لا يعتمد على جودة تصميم السياسات فحسب، بل على كفاءة المؤسسات المنفذة ومستوى التنسيق بينها[16]. كما طوّر مازمانيان وسباتييه هذا المنظور بإبراز أثر القدرات المؤسسية والموارد والبيئة السياسية في تحديد مآلات الإصلاح[17].
وتكتسب هذه الأدبيات أهمية استثنائية في تحليل رؤية السعودية 2030، لأنها ليست برنامجًا حكوميًا تقليديًا، بل مشروعًا لإعادة هيكلة الاقتصاد والدولة والمجتمع في آنٍ واحد. فالرؤية تضم مئات المبادرات وعشرات البرامج التنفيذية، وتشترك في تنفيذها وزارات وهيئات مستقلة وصندوق الاستثمارات العامة وشركات حكومية وقطاع خاص ومستثمرون دوليون، الأمر الذي يجعل نجاحها مرهونًا بدرجة عالية من التكامل المؤسسي. ومن هذا المنظور، لا يصبح السؤال الرئيس هو ما إذا كانت أهداف الرؤية طموحة أو واقعية، بل ما إذا كانت الدولة السعودية تمتلك القدرة التنفيذية اللازمة لإدارة هذا الحجم غير المسبوق من التعقيد المؤسسي، والمحافظة على اتساق السياسات عبر الزمن، والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والجيواستراتيجية.
ومن هنا يمكن النظر إلى بعض التحديات التي واجهتها الرؤية ـ مثل إعادة جدولة عدد من المشروعات العملاقة، وتعديل أولويات الاستثمار، وإعادة توزيع الموارد بين المبادرات، وتأجيل بعض المستهدفات الزمنية ـ بكونها مؤشرات على اتساع الفجوة بين الطموح الاستراتيجي والقدرة التنفيذية، وهي فجوة تناولتها أدبيات تنفيذ السياسات بوصفها ظاهرة تكاد ترافق جميع برامج الإصلاح الكبرى. وعليه، فإن تقييم رؤية 2030 يقتضي الانتقال من قياس مستوى الإنجاز إلى قياس قدرة الدولة على التنفيذ، لأن استدامة التحول تعتمد في نهاية المطاف على جودة المؤسسات أكثر مما تعتمد على حجم الموارد المالية أو قوة الإرادة السياسية.
مركزية السلطة وإدارة التحول السياسي
1 ـ صعود محمد بن سلمان وتفكيك توازن الأمراء
شهدت المملكة السعودية بعد عام 2015 تركيزًا غير مسبوق للسلطة في يد محمد بن سلمان؛ إذ انتقل من منصب وزير الدفاع ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية إلى منصب ولي العهد عام 2017، ليتولى رسميًا أو فعليًا قيادة معظم الملفات السيادية الكبرى بما في ذلك رئاسة مجلسي الشؤون الاقتصادية والتنمية والشؤون السياسية والأمنية إلى جانب رئاسة مجلس الوزراء (منذ سبتمبر 2022) الذي يجعل منه الملك الفعلي والحاكم المطلق في المملكة السعودية. وقد أفضى هذا الصعود إلى تغيير بنيوي في طريقة صنع القرار: فمن نمط الإجماع الأسري القائم على التشاور بين كبار الأمراء، إلى نمط يُركّز القرار في دائرة ضيقة جدًا.
يذهب بن هوبارد في كتابه MBS: The Rise to Power of Mohammed bin Salman إلى أن سلسلة الإجراءات التي اتُخذت منذ عام 2017، بما في ذلك حملة الريتز كارلتون، وإعادة تنظيم المؤسسة الدينية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، عكست عملية واسعة لإعادة تركيز السلطة في يد ولي العهد، بما أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة والأسرة الحاكمة[18].
جدل الكفاءة والهشاشة
يُبرز المدافعون عن نهج مركزية السلطة أن الاستقرار في صنع القرار شرط لازم للإصلاح العميق، مستشهدين بما آل إليه مآل الإصلاحات المُجزّأة في دول عربية أخرى حين افتقرت إلى إرادة سياسية مركزية. وبالفعل، فإن سرعة تطبيق عدد من إجراءات رؤية 2030 يُعزى جزئيًا إلى هذه المركزية التي تتجاوز التفاوض البيروقراطي المُضنّي.
في المقابل، يرى عدد من الباحثين في الأنظمة السلطوية أن التركيز المفرط للسلطة في يد القائد يولّد مخاطر مؤسسية متزايدة. فمن جهة، يؤدي إلى تراجع جودة المعلومات والتغذية الراجعة، إذ يصبح المسؤولون أقل ميلًا إلى نقل الإخفاقات أو الاعتراض على القرارات، خشية العقوبات أو فقدان الثقة. ومن جهة أخرى، يعزز شخصنة السلطة، بحيث يغدو استقرار النظام ونجاح مشروعه الإصلاحي معتمدًا بدرجة كبيرة على قدرات القائد الفردية واستمراريته، بدلًا من الارتكاز إلى مؤسسات مستقلة وقادرة على تصحيح السياسات. وقد ناقش هذه الإشكالية بصورة منهجية كل من ميلان سفوليك في (سياسات الحكم التسلّطي) The Politics of Authoritarian Rule (2012)، وباربرا غيدس وجوزيف رايت وإريكا فرانتز في (كيف تعمل الأنظمة الديكتاتورية) How Dictatorships Work (2018)[19].
ويزيد على ذلك تحليل مضامين حادثة الصحافي الحجازي جمال خاشقجي في أكتوبر 2018 التي كشفت عن الفجوة بين خطاب الإصلاح والبنى الأمنية العميقة. فقد أُجريت المحاسبة وفق منطق المحاكمة المحلية بعيدًا عن أي رقابة مستقلة، وكشفت عن تناقض صارخ بين الصورة التحديثية المُروَّج لها وبين ممارسات القمع التقليدية.
دور المؤسسات التمثيلية في ظل مركزية السلطة
يمثل مجلس الشورى السعودي نموذجًا افتراضيًا لمؤسسة تمثيلية تعمل ضمن حدود دستورية وسياسية محددة. فرغم توسيع عضويته عام 2013 لتشمل ثلاثين امرأة، وتطوير دوره في مناقشة الأنظمة والسياسات العامة، بقيت صلاحياته ذات طبيعة استشارية، إذ لا يمتلك سلطة تشريعية مستقلة ولا يخضع أعضاؤه للانتخاب الشعبي، بل يُعيّنون بأمر ملكي. ويرى مايكل هِرب أن المؤسسات التمثيلية في الملكيات الخليجية تؤدي وظائف تتعلق بإدارة المشاركة السياسية واستيعاب النخب وتوفير المشورة أكثر من كونها مراكز مستقلة لصنع القرار[20].
في سياق أشمل، تُغيّب الساحة السياسية السعودية مؤسسات التمثيل التقليدية كالأحزاب والانتخابات التشريعية الحرة، فيما تقتصر التجربة الانتخابية على المستوى البلدي المحلي. إن توقف الانتخابات البلدية بعد 2015 يكتسب دلالة سياسية مهمة؛ إذ تزامن مسار التحديث الاقتصادي والإداري مع تعليق المسار الانتخابي المحلي. وبذلك أصبحت إصلاحات رؤية 2030 تُنفَّذ أساسًا عبر المركزية التنفيذية، والهيئات المتخصصة، والبرامج الحكومية، وصندوق الاستثمارات العامة، أكثر من اعتمادها على توسيع قنوات المشاركة الانتخابية المحلية. وهذه تحيل الى العلاقة الجدلية بين تعزيز قدرة الدولة التنفيذية وتراجع المشاركة السياسية في نموذج ما يُسمى بـ”التحديث السلطوي” أو “الاستبداد التنموي”. ويطرح هذا الواقع تساؤلًا محوريًا: هل يمكن استدامة برنامج إصلاحي طموح دون بناء مؤسسات تمثيلية فاعلة تضمن تدفق المعلومات والمساءلة السياسية؟
تحليل الشرعية
1 ـ شرعية الأداء: حدودها ومخاطرها
يُمثّل الأداء الاقتصادي العمود الفقري لاستراتيجية الشرعية السعودية المعاصرة. وتبرز في هذا السياق ادعاءات بإنجازات ملموسة من قبيل نمو قطاع الترفيه والسياحة من الصفر إلى إيرادات معتبرة، وتراجع معدل البطالة الرسمي بين السعوديين، ومشاريع التنمية الكبرى كنيوم وتطوير العلا والتوسعات الرياضية. ويعترف منتقدو النظام قبل المؤيدين بأن هذه التحولات المشهودة ولو تفاوتت عمقًا أحدثت تأثيرًا حقيقيًا في مستوى الحياة اليومية لشرائح من السكان. ولكن ما يعيب هذه الادعاءات أنها غير مسنودة بحقائق على الأرض، فثمة فجوة واسعة بين الارقام التي تقدّمها الحكومة السعودية والارقام الواقعية التي تنشر في تقارير دولية محايدة، أو حتى ما يتداولها المواطنون عن واقع الحال الفعلي في البلاد.
لناحية قطاع الترفيه والسياحة، فإن تقييم عوائد هذا القطاع يحتاج إلى التمييز بين العوائد الاقتصادية المباشرة والعوائد غير المباشرة المرتبطة بإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع. تجدر الاشارة إلى أن قطاع الترفيه يمثل أحد أكثر مسارات التحول الاجتماعي والاقتصادي وضوحًا في رؤية السعودية 2030، إذ لم يعد يُنظر إليه باعتباره نشاطًا استهلاكيًا أو مجالًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد الحضري، وتنويع مصادر الدخل، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. منذ إنشاء الهيئة العامة للترفيه عام 2016، انتقل قطاع الترفيه السعودي من نشاط محدود للغاية إلى قطاع اقتصادي جديد شهد نموًا سريعًا، إلا أن قياس عوائده المالية المباشرة لا يزال معقدًا بسبب حداثة القطاع وتداخل إيراداته مع قطاعات أخرى مثل السياحة والضيافة والمطاعم والنقل يضاف الى ذلك السرية الشديدة التي تحيط بكشف حساب القطاع. وتشير المؤشرات المتاحة إلى أن القيمة الاقتصادية الرئيسية للترفيه حتى الآن تكمن في خلق نشاط اقتصادي واسع وتحفيز قطاعات مساندة أكثر من تحقيق إيرادات مستقلة تضاهي القطاعات التقليدية.
ففي عام 2023، أعلنت الهيئة العامة للترفيه أن عدد زوّار الفعاليات والأنشطة الترفيهية تجاوز 72 مليون زائر، بزيادة قدرها 17% مقارنة بعام 2022، كما بلغ عدد الفعاليات المعتمدة 5406 فعالية، وتجاوز عدد التراخيص الصادرة 6000 ترخيص، في حين ارتفع عدد الشركات العاملة في القطاع إلى 8873 شركة مقارنة بـ 3544 شركة في عام 2022، أي نمو يقارب 150%.[21].
أما من حيث حجم السوق، فتشير تقديرات قطاعية إلى أن حجم سوق الترفيه السعودي بلغ نحو 2.31 مليار دولار عام 2023 من حيث النشاط المباشر، مع توقعات بارتفاع مساهمته إلى مستويات أكبر مع اكتمال مشاريع البنية التحتية والفعاليات الكبرى ضمن رؤية 2030. كما تستهدف الاستراتيجية الوطنية أن يصبح قطاع الترفيه جزءًا مؤثرًا في الاقتصاد غير النفطي، مع تقديرات بأن تصل مساهمته في الناتج المحلي إلى نحو 4.2% بحلول عام 2030 وفق بعض التقديرات القطاعية[22].
وتبرز تجربة موسم الرياض باعتبارها المحرك الأكبر للنمو؛ إذ تحولت خلال سنوات قليلة إلى منصة اقتصادية تجمع بين الترفيه والسياحة والتجزئة والضيافة. غير أن تقييم عائدها الصافي يحتاج إلى الفصل بين الإيرادات التجارية المباشرة وبين الإنفاق الحكومي والاستثماري الذي رافق مرحلة بناء القطاع. فالمرحلة الحالية لا تزال مرحلة تأسيس سوق وبنية تحتية، وليست مرحلة نضج كامل يعتمد فيها القطاع على الطلب التجاري وحده.
وبالتالي، فإن الترفيه السعودي حقق ثلاثة مكاسب اقتصادية واضحة منذ تأسيس الهيئة: أولها إعادة جزء من الإنفاق الترفيهي الذي كان يتجه إلى الخارج إلى السوق المحلية؛ وثانيها خلق منظومة شركات ووظائف جديدة مرتبطة بالفعاليات والصناعات الإبداعية؛ وثالثها دعم قطاع السياحة من خلال تحويل الفعاليات الكبرى إلى عنصر جذب للزوار. لكن من المبكر اعتباره مصدراً مستقلاً للدخل الوطني؛ فالفارق بين حجمه الحالي وبين عوائد النفط ما يزال هائلاً، كما أن نجاحه طويل الأمد سيعتمد على قدرته على الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمار الحكومي إلى نموذج تجاري مستدام قائم على الربحية والتصدير الثقافي.
غير أن شرعية الأداء تحمل في داخلها مخاطر بنيوية، لأنها تجعل استقرار النظام أكثر ارتباطاً بقدرته المستمرة على تحقيق النتائج الموعودة. فالإصلاحات الكبرى لا ترفع مستوى الإنجاز فقط، بل ترفع أيضاً سقف التوقعات الاجتماعية، بحيث قد يتحول القصور في تحقيق الأهداف المعلنة إلى مصدر للإحباط حتى في حال حدوث تحسينات موضوعية. وينسجم هذا مع ما تسميه الأدبيات المقارنة بـ”مفارقة التوقعات المتصاعدة”، حيث تؤدي مراحل التحسن والإصلاح إلى خلق مطالب جديدة تتجاوز أحياناً قدرة المؤسسات على تلبيتها.
ولابد من تقييم قطاع السياحة في السعودية من منظور الاقتصاد السياسي للتنمية، بعيدًا عن الاكتفاء بالمؤشرات الرسمية للنمو. والسؤال المركزي ليس: هل نما القطاع؟ بل: هل يحقق هذا النمو عائدًا اقتصاديًا مستدامًا يتناسب مع حجم رأس المال المستثمر؟
من هذه الزاوية، يمكن تقييم القطاع على النحو الآتي:
أولًا: فجوة بين ضخامة الاستثمار والعائد الاقتصادي
يصعب إنكار أن السياحة أصبحت أحد أكبر محاور الاستثمار في رؤية 2030. فقد خُصصت مئات المليارات من الدولارات لتطوير مشاريع مثل نيوم، والبحر الأحمر، وأمالا، والقدية، والدرعية، إضافة إلى توسعات البنية التحتية والمطارات والفنادق وشبكات النقل. ويشير تقرير رؤية 2030 لعام 2025 إلى استمرار التوسع في الطاقة الفندقية والمنشآت السياحية والاستثمارات المرتبطة بالقطاع.
وفي المقابل، تُظهر البيانات الرسمية نموًا ملحوظًا في عدد الزوار والإنفاق السياحي؛ إذ أعلنت وزارة السياحة أن إجمالي الإنفاق السياحي بلغ نحو 304 مليارات ريال في عام 2025 مع تسجيل أكثر من 122 مليون زيارة بين سياحة داخلية ووافدة[23].
غير أن هذه الأرقام لا تكفي وحدها للحكم على نجاح القطاع؛ لأن حجم الإنفاق لا يساوي بالضرورة حجم العائد على الاستثمار. فما زال جزء كبير من الأصول السياحية الضخمة في مراحل الإنشاء أو التشغيل الأولي، بينما تتطلب صيانتها وتشغيلها نفقات رأسمالية وتشغيلية مرتفعة، الأمر الذي يؤجل نقطة التعادل المالي لسنوات طويلة.
ثانيًا: نمو رأسمالي أكثر منه تنمية اقتصادية
من منظور اقتصادي، ينبغي التمييز بين النمو الرأسمالي والتنمية الإنتاجية. فالقطاع السياحي السعودي يعتمد بدرجة كبيرة على:
ـ الإنفاق الحكومي وصندوق الاستثمارات العامة
ـ المشروعات العملاقة كثيفة رأس المال
ـ الاستثمار في الأصول العقارية والفندقية
ـ الحوافز الحكومية الواسعة
في المقابل، ما تزال مساهمة القطاع الخاص المحلي، وسلاسل القيمة المحلية، والصناعات السياحية الصغيرة والمتوسطة أقل من المستوى الذي يجعل القطاع محركًا ذاتيًّا للنمو. بعبارة أخرى، فإن كثيرًا من النمو الحالي هو نمو استثماري تقوده الدولة أكثر منه نمو سوقي يقوده الطلب المستدام.
ثالثًا: هل تعكس أعداد السياح نجاح القطاع؟
تحتاج المؤشرات الرسمية إلى قراءة أكثر دقة. فالرقم الذي يتجاوز 120 مليون زيارة لا يمثل سياحة ترفيهية دولية فقط، وإنما يشمل:
ـ السياحة الداخلية
ـ سياحة الأعمال
ـ العمرة والحج
ـ الزيارات العائلية
ـ الزيارات القصيرة
لذلك فإن استخدام عدد الزيارات وحده قد يضخم الصورة الاقتصادية للقطاع، لأن القيمة الاقتصادية لكل نوع من هذه الزيارات تختلف اختلافًا كبيرًا.
رابعًا: مشكلة العائد طويل الأجل
اقتصاديات السياحة تشير إلى أن المشاريع السياحية العملاقة تحتاج عادة إلى:
ـ معدلات إشغال مرتفعة ومستقرة.
ـ تدفقات سياحية دولية متواصلة.
ـ إنفاق مرتفع لكل سائح.
ـ انخفاض تكلفة التمويل.
أما في الحالة السعودية، فإن عددًا من المشاريع يستهدف شريحة السياحة الفاخرة ذات الحجم المحدود، ما يجعل الوصول إلى معدلات تشغيل مرتفعة تحديًا مستمرًا، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية من الإمارات وقطر وسلطنة عمان ومصر واليونان وتركيا.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتقلب أسعار النفط، وزيادة الاقتراض لتمويل المشاريع، كلها عوامل ترفع تكلفة رأس المال، وبالتالي تؤخر تحقيق العوائد الاقتصادية. وقد سبقت الاشارة إلى أن السعودية أعادت جدولة بعض المشروعات الكبرى وأعادت ترتيب أولويات الإنفاق في ظل الضغوط المالية.
خامسًا: التنمية أم تعظيم قيمة الأصول؟
هنا يبرز سؤال الاقتصاد السياسي. فهناك فرق بين:
ـ تنمية الاقتصاد الحقيقي.
ـ وتعظيم قيمة الأصول الرأسمالية.
فإنشاء منتجع فاخر أو مدينة سياحية يزيد قيمة الأصول العقارية والاستثمارية، لكنه لا يعني بالضرورة: رفع الإنتاجية، وتحسين التكنولوجيا، وزيادة الصادرات الصناعية، وتنمية رأس المال البشري. لذلك يرى عدد من الاقتصاديين أن الاعتماد المفرط على القطاعات العقارية والسياحية قد يخلق اقتصادًا قائمًا على تقييم الأصول أكثر من كونه اقتصادًا إنتاجيًا قائمًا على الابتكار والتصنيع.
سادسًا: السياحة بوصفها امتدادًا للدولة الريعية
رغم أن الخطاب الرسمي يقدم السياحة بكونه بديلًا للنفط، فإن العلاقة بين القطاعين ما تزال وثيقة. فالجزء الأكبر من الاستثمارات السياحية يموّل بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الفوائض النفطية أو من صندوق الاستثمارات العامة، الذي يعتمد بدوره على الأصول النفطية والاقتراض. وتشير تقارير حديثة إلى تزايد الضغوط على الصندوق السيادي لتحقيق عوائد أعلى من استثماراته مع استمرار الإنفاق الكبير على المشروعات المحلية.
ومن ثم، فإن السياحة لم تتحول بعد إلى قطاع مستقل يمول نفسه ذاتيًا، وإنما لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الدولة كممول ومستثمر وضامن للمخاطر.
ومن منظور التنمية السياسية والاقتصادية، يمكن القول إن قطاع السياحة السعودي حقق نجاحًا واضحًا في تعبئة الاستثمارات، وتوسيع البنية التحتية، وزيادة أعداد الزوار، وتحسين الحضور الدولي للمملكة. غير أن هذا النجاح لا يزيل التحدي الأساسي، وهو تحويل الاستثمار الرأسمالي الضخم إلى عوائد اقتصادية مستدامة. فحتى الآن، تبدو السياحة أقرب إلى نموذج النمو المدفوع بالاستثمار الحكومي منها إلى قطاع قادر على توليد قيمة مضافة مستقلة، واسترداد تكاليفه الرأسمالية، وخلق دورة اقتصادية ذاتية تعتمد على الطلب الخاص والابتكار والإنتاجية. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في حجم الإنفاق أو عدد الزوار، بل في قدرة القطاع، خلال العقد المقبل، على تحقيق عوائد اقتصادية تتناسب مع رأس المال المستثمر، وأن يتحول من مشروع تقوده الدولة إلى صناعة تنافسية قادرة على تمويل توسعها من إيراداتها الذاتية، لا من الريع النفطي أو التمويل السيادي.
2 ـ الشرعية الدينية: من الشريك إلى التابع
شكّلت العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية الوهابية الركيزة المؤسسة للدولة السعودية منذ ميثاق الدرعية عام 1744، الذي قام على تحالف تبادلي منح آل سعود الشرعية الدينية مقابل تمكين الدعوة الوهابية من الإشراف على المجال الديني والقضائي والتعليمي. ولم يكن هذا التحالف مجرد تفاهم سياسي عابر، بل أصبح جزءًا من البنية التأسيسية للدولة السعودية الأولى، ثم أُعيد إنتاجه في الدولة السعودية الثالثة التي أسسها الملك عبد العزيز عام 1932. ومنذ ذلك الحين، اضطلعت المؤسسة الدينية بأدوار تتجاوز الإفتاء والوعظ، فأسهمت في إضفاء المشروعية على قرارات الدولة، وضبط المجال الاجتماعي، وتوفير الأساس العقدي لفكرة الطاعة السياسية، مقابل احتفاظها بهامش من الاستقلال النسبي في إدارة الشؤون الدينية والتعليمية والقضائية. وقد وصفت مضاوي الرشيد هذا النموذج بأنه تحالف بين السيف والعقيدة، حيث لم تكن المؤسسة الدينية مجرد أداة للدولة، بل أحد شركاء إنتاج الشرعية السياسية[24].
غير أن صعود محمد بن سلمان مثّل نقطة تحول جوهرية في هذه المعادلة. فمنذ عام 2016، اتجهت الدولة إلى إعادة تنظيم المجال الديني بصورة غير مسبوقة، فجرى تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحصر اختصاصاتها في التوعية والإرشاد بعد أن كانت تمتلك سلطات الضبط الميداني، كما أُعيد تنظيم المؤسسات الدينية الرسمية، وأُخضعت بصورة أكبر لإشراف السلطة التنفيذية، بالتوازي مع اعتقال أو تهميش عدد من علماء الوهابية ورموز الصحوة الذين لم ينسجموا مع الخطاب الرسمي الجديد، في مقابل صعود نخبة دينية أكثر ارتباطًا بالدولة وأشد استعدادًا لتبرير سياساتها. وقد وثق بن هابارد هذه التحولات بكونها جزءًا من عملية أوسع لإعادة تركيز السلطة السياسية في يد ولي العهد، بينما حللتها مضاوي الرشيد باعتبارها انتقالًا من تحالف مع المؤسسة الدينية إلى إخضاعها الكامل لمنطق الدولة المركزية[25].
ومن منظور ماكس فيبر، تمثل هذه التحولات انتقالًا من نموذج تتقاسم فيه الشرعية السياسية والدينية إنتاج السلطة، إلى نموذج تسعى فيه السلطة السياسية إلى احتكار مصادر الشرعية كافة، بحيث يغدو الدين أحد أدواتها الرمزية بدلًا من أن يكون شريكًا مستقلًا في منحها المشروعية. وبهذا المعنى، لم تعد المؤسسة الدينية تمارس وظيفة الضبط السياسي للدولة كما كان الحال في العقود السابقة، بل أصبحت خاضعة لمنطق الدولة، التي تحدد حدود خطابها ومجالات تدخلها وأولوياتها.
وقد انعكس هذا التحول أيضًا في الخطاب الرسمي، الذي انتقل من التركيز على الهوية الإسلامية العابرة للحدود إلى إبراز مفهوم القومية السعودية والهوية الوطنية، وإعادة تقديم الإسلام بوصفه أحد مكونات الهوية الوطنية لا المصدر الحصري لشرعية النظام. كما رافق ذلك التوسع في الأنشطة الثقافية والترفيهية، وإعادة كتابة السردية التاريخية للدولة، والاحتفاء بالتراث السابق لقيام الدولة السعودية، مثل اعتماد “يوم التأسيس” عام 2022، بما يعكس سعيًا إلى ترسيخ شرعية تاريخية ووطنية تتجاوز المرجعية الدينية التقليدية.
غير أن هذا التحول يطرح جملة من التحديات البنيوية. فمن جهة، أدّى إخضاع المؤسسة الدينية إلى تقليص احتمال ظهور مراكز قوة دينية منافسة داخل الدولة، ومنح القيادة السياسية مساحة أوسع لتنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية بعيدًا عن قيود المؤسسة التقليدية. ومن جهة أخرى، فإن تراجع استقلال المؤسسة الدينية قد يفضي إلى إضعاف أحد المصادر التاريخية للشرعية التي استندت إليها الدولة السعودية طوال قرنين ونصف، ولا سيما إذا واجهت شرعية الأداء الاقتصادي تحديات مستقبلية. كما أن تضييق المجال أمام الخطاب الديني الرسمي لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء التدين السياسي، بل قد يدفع بعض أشكاله إلى الانتقال إلى فضاءات غير رسمية أو رقمية يصعب على الدولة ضبطها، وهو ما تشير إليه خبرات مقارنة في عدد من الدول العربية.
وبذلك، لا يمكن فهم التحولات الدينية في عهد محمد بن سلمان بوصفها عملية “علمنة” للدولة أو قطيعة مع الدين، بل هي بالأحرى إعادة هيكلة للعلاقة بين الدين والسلطة، بحيث ينتقل الدين من كونه شريكًا مؤسسًا في إنتاج الشرعية إلى مؤسسة رسمية تعمل داخل الإطار الذي ترسمه السلطة السياسية. ويعكس هذا التحول انتقال المملكة من نموذج “ازدواجية الشرعية” إلى نموذج أقرب إلى “مركزية الشرعية السياسية”، حيث تصبح الدولة هي المرجعية النهائية في تعريف المجال الديني وحدوده ووظائفه.
3 ـ الشرعية القومية: بناء هوية وطنية جديدة
تنتهج المملكة السعودية تحت قيادة محمد بن سلمان مسارًا مقصودًا لبناء هوية بديلة سعودية تتجاوز الهوية الدينية وتتمحور حول مفهوم “السعودي” كمواطن منتمٍ إلى وطن له تاريخ وحضارة وطموحات مستقبلية مع ان هذه المكوّنات ليست مندغمة في أي يوم في النسيج الهوياتي السعودي. ولكن تتجلى هذه الاستراتيجية في الاستثمار الضخم في السياحة التراثية وتطوير المواقع الأثرية كالعُلا وحائل ومدائن صالح، وصياغة خطاب يستحضر الحضارة العربية قبل الإسلامية كمصدر للهوية الثقافية، وربطها بالهوية السعودية. ومن الطرائف أن أحد الفنانين المشهورين نسب الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) الى السعودية قبل ان يتراجع عن ذلك بعد موجة انتقادات واسعة[26]. إن ثمة محاولات مفرطة في توليد هوية عبر مصادر تراثات تاريخية في المناطق الخاضعة للنظام السعودية واضفاء صفة “السعودة” عليها، والتي طاولت الأكلات الشعبية والمحاصيل الزراعية التقليدية والألبسة وغيرها..
ويجد هذا المسار صدىً في ما يُسمّيه بيندكت أندرسون “المجتمع المتخيَّل” المُشيَّد عبر الأدوات الثقافية والإعلامية والتعليمية. وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في تعزيز الخطاب الوطنوي بين الشباب السعودي، حيث تُشير استطلاعات رأي متعددة إلى مستويات عالية من التأييد الشبابي لولي العهد ولمسار التحديث.
استدامة الإصلاح ـ السيناريوهات والتحديات
1 ـ تحديات الاقتصاد السياسي
يُواجه مشروع التنويع الاقتصادي في المملكة معضلة بنيوية ترتبط بما تعرفه الأدبيات الاقتصادية بـ”لعنة الموارد الطبيعية” (Natural Resource Curse)، وهي الفرضية التي صاغها ريتشارد أوتي وطوّرها لاحقاً جيفري ساكس وأندرو وارنر، ومفادها أن الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية تميل إلى ضعف التنويع والإنتاجية، نتيجة تراجع الحوافز لتطوير القطاعات الصناعية والتكنولوجية، واعتماد الدولة على الإيرادات الريعية بدلًا من الاقتصاد القائم على الابتكار والتنافسية. ومن ثم، فإن الانتقال من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد متنوع لا يقتصر على ضخ الاستثمارات أو إطلاق المشروعات الكبرى، بل يتطلب إعادة بناء القدرات الإنتاجية، وتنمية رأس المال البشري، ورفع كفاءة المؤسسات، وهي عملية تستغرق زمنًا طويلًا وتستلزم تحمّل تكاليف اقتصادية واجتماعية وسياسية ملموسة. وقد خلصت مراجعات حديثة، مثل دراسة فريدريك فان دير بلوخ، إلى أن نجاح الدول الغنية بالموارد في تجاوز هذه المعضلة يعتمد بدرجة كبيرة على جودة المؤسسات، والاستثمار في التنويع الحقيقي، وتحويل الثروة الطبيعية إلى أصول إنتاجية مستدامة[27].
ومن الناحية المالية، يُشكّل الانفاق الضخم على مشاريع رؤية 2030 عبئًا على الميزانية العامة. وقد كشف انهيار أسعار النفط عام 2020 خلال جائحة كوفيد ـ 19 عن هشاشة الوضع المالي، حيث سجّل الاقتصاد السعودي تراجعًا حادًا وأُجري تعديل مؤلم برفع ضريبة القيمة المضافة إلى 15%، وهو ما أثار حالةً من الاستياء الشعبي الصامت.
2 ـ مخاطر الخلافة والاستمرارية
يُطرح في الأدبيات الأكاديمية المتعلقة بأنظمة الحكم الفردي (الأوتوقراطي) سؤالٌ جوهري عن الاستمرارية المؤسسية: هل تُبنى المؤسسات بما يكفل استمرار السياسات بصرف النظر عمّن يتولى القيادة، أم أنها تبقى مرتبطة بإرادة القائد الفرد؟ وفي الحالة السعودية، وبقدر ما يعتمد مسار الإصلاح على الحضور الشخصي لمحمد بن سلمان وشبكة ولاءاته، تبرز مخاوف حقيقية حول ما يُحدث لو طرأت تحولات في المشهد القيادي.
ويُلاحظ باحثون من أمثال غريغوري غوز Gregory Gause في دراساته الخليجية أن الملكيات النفطية الخليجية طوّرت قدرًا من الاستمرارية المؤسسية لم تكن موجودةً في مراحل سابقة[28]. بيد أن هذه الاستمرارية تبقى رهينةً بقدرة الأجيال القيادية القادمة على الحفاظ على الإجماع الأسري وعدم خوض صراعات ولاية العهد المُقسِّمة.
3 ـ المعارضة والحدود المسموح بها
تتعامل الدولة السعودية مع المعارضة بمنطق انتقائي دقيق: انفتاح اجتماعي محسوب في مجالات الترفيه وحقوق المرأة الاقتصادية، مع صفر تسامح مع المعارضة السياسية المنظمة. ويُعبّر عن هذا النهج احتجاز ناشطات حقوق المرأة اللواتي طالبن بالإصلاح ذاته الذي طبّقته الدولة لاحقاً، وهو ما يُوصفه المنتقدون بـ”إصلاح بدون إصلاحيين”.
يمكن تحليل بعض جوانب التحول السعودي الراهن في ضوء مفهوم “التحرير الانتقائي” (Selective Liberalization) الذي طورته أدبيات السلطوية العربية، ولا سيما أعمال ستيفن هايدمان، والذي يشير إلى قيام الأنظمة بإدخال إصلاحات اقتصادية واجتماعية واسعة نسبيًا مع الإبقاء على حدود صارمة للمشاركة السياسية. ويتيح هذا النهج للنظام توسيع مجالات الحراك الاجتماعي والاستهلاك والفرص الاقتصادية، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى إعادة توزيع السلطة السياسية أو إنشاء مؤسسات مساءلة مستقلة[29].
في الحالة السعودية، يمكن تحليل التناقض الظاهري بين:
ـ انفتاح اجتماعي واسع: السينما، الحفلات، مشاركة المرأة في سوق العمل، السياحة، أنماط الحياة الجديدة.
ـ واستمرار مركزية القرار السياسي: محدودية المشاركة السياسية، ضعف المؤسسات التمثيلية، تركّز صنع القرار.
وفي المقارنة مع تجارب أخرى في سياق التحولات الاستبدادية، يمكن النظر إلى:
1 ـ التجربة الصينية: الموازاة والاختلاف
كثيرًا ما تُستحضر التجربة الصينية في النقاش حول شرعية الأداء في الأنظمة غير الديمقراطية. ويشير أندرو ناثان في دراسته الشهيرة “المرونة السلطوية” (Authoritarian Resilience) إلى أن بقاء الحزب الشيوعي الصيني لم يعتمد فقط على النمو الاقتصادي، بل على مزيج من الأداء التنموي، وبناء مؤسسات حزبية أكثر انتظامًا، وتجديد النخب القيادية، وتطوير جهاز تكنوقراطي قادر على تنفيذ السياسات وتصحيح الأخطاء. وبذلك أصبحت الشرعية الاقتصادية في الصين جزءًا من منظومة مؤسساتية أوسع، وليس مجرد نتيجة مؤقتة لارتفاع معدلات النمو[30].
غير أن الفوارق الجوهرية بين الحالتين عديدة: المملكة السعودية تفتقر إلى الحزب الحاكم الوحيد الذي يُشكّل في الحالة الصينية ركيزة مؤسسية للتنسيق والاستمرارية، كما أن اعتمادها الكبير على الريع يُفرز ديناميكيات مختلفة تمامًا عن الدينامية الإنتاجية الصينية. وفوق ذلك، فإن الأبعاد الدينية والقبلية والعائلية للشرعية السعودية لا نظير لها في السياق الصيني.
2 ـ دول الخليج المقارنة: الإمارات والكويت
تُقدّم دولة الإمارات نموذجًا خليجيًا قريبًا للمقارنة: استبداد تنموي أفضى إلى تنويع اقتصادي ملموس ومركزية قرار واضحة، غير أن حجم الدولة الأصغر بكثير يُيسّر الإدارة المركزية ويجعل مقارنتها بالسعودية ذات قيود تحليلية واضحة. أما الكويت فتُمثّل النقيض من حيث إتاحتها لتجربة انتخابية برلمانية نسبيًا (قبل أن ينقلب عليها امير الكويت الحالي مشعل الأحمد في 2024)، وإن كانت أبعد عن التنويع الاقتصادي.
ولعل أكثر ما يستدعي الاهتمام المقارن هو التباين بين إصلاحات ما فوق إذ تجري “من القمة إلى القاعدة” في السعودية، وبين التجارب التي تضمّنت ضغطًا اجتماعيًا أسهم في دفع الإصلاح. وتُشير أدبيات التحول الديمقراطي إلى أن الإصلاحات التي تحتضن مطالب المجتمع المدني وتُشركه أكثر استدامةً وقدرةً على بناء شرعية حقيقية على المدى الطويل.
الخلاصة
تخلص الدراسة إلى أن الدولة السعودية المعاصرة تُجري تجربةً في إعادة هندسة الشرعية السياسية، ولكنها تنطوي على توترات بنيوية عميقة. فمن جهة، حقق النظام إنجازات لافتة في التحديث الاجتماعي وتنشيط الاقتصاد نسبيَا وبناء صورة دولية متجددة. ومن جهة أخرى، تبقى هذه الشرعية هشةً لأنها مُتركّزة في شخص ابن سلمان ومُعلَّقة بأهداف اقتصادية طموحة في مواجهة بيئة دولية متقلبة.
وتُفيد نظرية الشرعية السياسية بأن الأنظمة الأكثر استدامة هي تلك التي تُوزّع قاعدة شرعيتها على مصادر متعددة تُكمل بعضها: الإنجاز الاقتصادي، والتمثيل السياسي ولو المحدود، والهوية الثقافية، والشرعية الإجرائية المُستندة إلى قواعد واضحة ومُحكَّمة. والمملكة السعودية في مسارها الراهن تُثمّر الأول والثالث على حساب الثاني والرابع.
ولا يعني ذلك حتمية الأزمة، بل يعني وجود هشاشة بنيوية تجعل النظام عُرضةً للضغوط في حال تراجع الأداء الاقتصادي أو تعثّر القيادة. وإن الفرضية القائلة بأن نجاح برنامج رؤية 2030 في تحقيق تنويع اقتصادي حقيقي وترسيخ هوية وطنية متجددة، يزيد من احتمالات الاستقرار حتى في غياب التمثيل الشعبي التقليدي، هي فرضية غير واقعية لأنها لا تحمل في طياتها ضمانات متينة في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية شديدة التغيّر وبيئة اقليمية ودولية شديدة التقلّب.
المصدر: طوى – مركز متخصص في دراسات السعودية
The post مركز طوى للدراسات: العلاقة بين التنمية والاستقرار السياسي .. الشرعية والأداء (السعودية نموذجا) appeared first on قناة نبأ الفضائية.


