كشفت بيانات رسمية صادرة عن هيئة السوق المالية السعودية عن تسارع غير مسبوق في هروب الرساميل السعودية نحو الأسواق الغربية، في تطور يعكس اتساع فجوة الثقة في قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب الاستثمارات الوطنية، ويكشف عن تزايد قناعة المستثمرين بأن الأسواق الخارجية باتت توفر قدرا أكبر من الأمان والاستقرار مقارنة بالسوق السعودية التي تواجه ضغوطا متزايدة بفعل السياسات الاقتصادية وتداعيات الإنفاق الحكومي الضخم. ووفقا للبيانات، قفزت تداولات المستثمرين السعوديين في الأسهم الأوروبية إلى نحو 11 مليار ريال خلال الربع الأول من عام 2026، وهو أعلى مستوى منذ بدء نشر البيانات الفصلية في عام 2016. ولم يقتصر الأمر على الأسواق الأوروبية، إذ ارتفعت كذلك تداولات السعوديين في الأسهم الأميركية بنسبة 47.2% خلال الفترة نفسها، في مؤشر يعكس تسارعا واضحا في انتقال السيولة الوطنية إلى الخارج. ولا يمكن فصل هذه الأرقام عن المناخ الاقتصادي الذي تعيشه “السعودية”، حيث تتزايد الضغوط على المالية العامة، وتتسع فجوة العجز، بينما تستنزف المشاريع العملاقة المرتبطة برؤية 2030 مئات المليارات من الريالات دون أن تنجح حتى الآن في إقناع شريحة واسعة من المستثمرين بأن السوق المحلية أصبحت الوجهة الأكثر جاذبية لرؤوس الأموال السعودية. ويعكس هذا التحول المتسارع إدراكا متزايدا لدى المستثمرين بأن تنويع المحافظ الاستثمارية خارج “السعودية” لم يعد مجرد خيار لتحقيق عوائد أعلى، بل أصبح وسيلة للتحوط من المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التي فرضتها سياسات النظام خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها على مستقبل الاقتصاد السعودي. وفي الوقت الذي تغادر فيه مليارات الريالات إلى الأسواق العالمية، تواصل سوق الأسهم السعودية تقديم صورة باهتة عن واقع الاقتصاد المحلي. فقد افتتح المؤشر الرئيسي “تاسي” تعاملات يوم الإثنين على ارتفاع محدود لم يتجاوز 0.07%، وهو ارتفاع شكلي لم ينجح في إخفاء حالة الضعف التي تسيطر على السوق، في ظل تراجع معظم الأسهم القيادية منذ الدقائق الأولى للتداول. وكان قطاع الطاقة، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السعودي، من أبرز المتضررين، إذ تراجعت أسهم شركات المصافي بنسبة 0.40%، وانخفض سهم أرامكو بنسبة 0.15%، فيما هبط سهم بترورابغ بنسبة 1.20%، في دلالة على استمرار الضغوط التي تواجه الشركات الكبرى رغم الدعم الحكومي الواسع الذي تحظى به. وامتدت الخسائر إلى شركات الخدمات النفطية، حيث تراجع سهم الحفر العربية بنسبة 0.34%، وأديس بنسبة 1.05%، والبحري بنسبة 1.19%، بما يعكس استمرار حالة الحذر التي تهيمن على المستثمرين، ويؤكد أن الأداء الضعيف لم يعد مقتصرا على قطاع بعينه، بل بات يطاول قطاعات رئيسية يفترض أنها تستفيد من الإنفاق الحكومي الضخم. ويكشف هذا الواقع عن محدودية النتائج التي حققتها السياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة. فالنظام الذي روج لرؤية 2030 باعتبارها بوابة لتحويل “السعودية” إلى مركز مالي واستثماري عالمي، تجد نفسها اليوم أمام مشهد معاكس، يتمثل في تسجيل مستويات تاريخية من تدفقات الرساميل السعودية إلى الخارج، بينما تكافح السوق المحلية للحفاظ على زخمها وجاذبيتها. كما يعكس هذا السلوك الاستثماري اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والقرارات الفعلية للمستثمرين. فلو كانت البيئة الاستثمارية المحلية تتمتع بالمستوى المعلن من الاستقرار والجدوى الاقتصادية، لما سجلت الأسواق الأوروبية والأميركية هذه القفزات القياسية في استثمارات السعوديين، خصوصا أن المستثمر المحلي يعد الأكثر إدراكا لحقيقة المخاطر والفرص داخل الاقتصاد الوطني. وتفرض هذه المؤشرات تحديات متزايدة على النظام السعودي، إذ إن استمرار خروج الرساميل الوطنية بهذا الزخم يحد من قدرة السوق المحلية على استقطاب السيولة اللازمة لتمويل النمو، ويزيد اعتماد الدولة على الإنفاق الحكومي وصندوق الاستثمارات العامة للحفاظ على النشاط الاقتصادي، وهو نموذج يصعب استدامته في ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة. وفي المحصلة، تكشف البيانات الرسمية نفسها أن الرساميل السعودية باتت تبحث عن بيئات استثمارية تعتبرها أكثر استقرارا وقدرة على حماية الأصول وتحقيق العوائد. وبينما تواصل الحكومة الترويج لنجاحات رؤية 2030، ترسم حركة الأموال صورة مختلفة، عنوانها أن الثقة لا تقاس بالحملات الدعائية ولا بالمشروعات العملاقة، وإنما بالوجهة التي يختار المستثمر أن يضع فيها أمواله، وهي وجهة تبدو اليوم أبعد من السوق السعودية وأكثر اقترابا من البورصات العالمية.


