غزو الكويت (1990–1991) والتحول من الحماية المؤقتة إلى الوجود العسكري الدائم
أولًا: نهاية الحرب العراقية ـ الإيرانية وبداية أزمة جديدة
عندما توقفت الحرب العراقية ـ الإيرانية في أغسطس 1988 كان الأمل يحدو جميع دول الخليج على ضفتيه الشرقية والغربية بالدخول في مرحلة تهدئة تسمح بإعادة البناء الاقتصادي والسياسي. إلا أن نهاية الحرب لم تُنهِ الاختلالات التي راكمتها ثماني سنوات من القتال، بل كشفت عنها بصورة أكثر وضوحًا.
خرج العراق بجيش يُعد من أكبر جيوش غرب آسيا، إذ تجاوز تعداده المليون جندي بين قوات عاملة واحتياط، وامتلك خبرة قتالية واسعة وترسانة ضخمة من الدبابات والمدفعية والصواريخ. لكنه خرج في الوقت نفسه مثقلًا بديون خارجية قُدرت بما يتراوح بين 80 و100 مليار دولار، كان جزء كبير منها مستحقًا للسعودية والكويت ودول خليجية أخرى، إضافة إلى التراجع الحاد في احتياطاته المالية وتضرر اقتصاده نتيجة الحرب الطويلة. وتشير دراسة عن الاقتصاد السياسي للحرب إلى أن العراق وجد نفسه بعد عام 1988 يمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنه يفتقر إلى الموارد الاقتصادية اللازمة للحفاظ عليها أو إعادة إعمار البلاد[1].
أما إيران فقد خرجت أكثر إنهاكًا من الناحية البشرية والاقتصادية، لكنها احتفظت بالنظام السياسي الذي قامت الثورة من أجله، وبدأت مرحلة إعادة الإعمار بقيادة الرئيس الراحل الشيخ هاشمي رفسنجاني. ولم تعد طهران قادرة على خوض حرب تقليدية واسعة، لكنها بدأت مراجعة شاملة لعقيدتها الدفاعية، قادت لاحقًا إلى التركيز على القدرات الصاروخية، والقوات البحرية غير المتماثلة، وشبكات الحلفاء الإقليميين.
وهكذا انتهت الحرب من دون منتصر حاسم، لكن ميزان القوى الذي نشأ بعدها كان مختلفًا جذريًا. فقد بقي العراق القوة العسكرية العربية الأكبر، بينما أصبحت إيران أكثر حذرًا في استخدام القوة التقليدية، ووجدت دول الخليج نفسها بين جيش عراقي ضخم وثورة إيرانية لم تتخل عن خطابها السياسي.
ثانيًا: أزمة الديون والنفط
لم يكن الخلاف بين العراق والكويت بعد سنة 1988 خلافًا حدوديًا في بدايته، بل كان اقتصاديًا وماليًا بالدرجة الأولى. فقد عدّت القيادة العراقية أن الحرب مع إيران لم تكن دفاعًا عن العراق وحده، وإنما عن الأمن الخليجي والعربي، ولذلك توقعت أن تقوم السعودية والكويت بإسقاط الديون التي قدمتاها أثناء الحرب أو تحويلها إلى منح غير مستردة. غير أن الكويت رفضت هذا الطرح، وعدّت القروض التزامات مالية قائمة، بينما اتخذت السعودية موقفًا أكثر مرونة من دون أن تلغي الديون بصورة شاملة.
وفي الوقت نفسه، دخلت أسعار النفط مرحلة انخفاض نتيجة زيادة الإنتاج. واتهم العراق الكويت والإمارات بتجاوز حصص الإنتاج المقررة داخل منظمة أوبك، وهو ما أدى ـ بحسب بغداد ـ إلى خفض الأسعار وحرمان العراق من مليارات الدولارات التي كان يحتاجها لإعادة الإعمار وسداد ديونه.
وقد وثّقت محاضر الاجتماعات العربية وبيانات أوبك أن الخلاف حول مستويات الإنتاج النفطي كان أحد العناصر الرئيسة في الأزمة، لكنه لم يكن العنصر الوحيد. فقد امتزجت الأزمة الاقتصادية بطموحات سياسية وشخصية لدى القيادة العراقية، وبنزاع حدودي قديم حول حقل الرميلة والجزر والمنافذ البحرية.[2]
ويرى غريغوري غوس أن الأزمة العراقية ـ الكويتية لا يمكن تفسيرها بالنفط وحده، لأن العراق كان يعاني أيضًا من أزمة شرعية داخلية بعد الحرب، ومن تضخم المؤسسة العسكرية، ومن الحاجة إلى تحقيق إنجاز سياسي يبرر التضحيات الهائلة التي تكبدها المجتمع العراقي[3].
ثالثًا: من التهديد إلى الغزو
شهد شهر يوليو 1990 تصعيدًا سريعًا في الخطاب العراقي تجاه الكويت. فقد اتهم الرئيس صدام حسين الكويت بشن “حرب اقتصادية” على العراق، وبسرقة النفط من حقل الرميلة عبر الحفر المائل، وطالب بتعويضات مالية كبيرة، إضافة إلى تسوية الخلافات الحدودية.
ورغم انعقاد اجتماع جدة بين الوفدين العراقي والكويتي في 31 يوليو 1990، فإن المفاوضات انهارت خلال ساعات. وفي فجر الثاني من أغسطس 1990 اجتازت القوات العراقية الحدود الكويتية، وسيطرت خلال أقل من يومين على معظم أراضي الكويت، قبل أن تعلن بغداد ضمها رسميًا باعتبارها “المحافظة التاسعة عشرة” للعراق.
وأدان مجلس الأمن الغزو في اليوم نفسه بالقرار 660، الذي طالب العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الكويت، مؤكدًا احترام سيادة الكويت ووحدة أراضيها[4].
ويُعد هذا القرار نقطة قانونية مفصلية؛ إذ لم يكن الخلاف يدور حول تفسير حدود أو اتفاقية، وإنما حول استخدام القوة العسكرية لإلغاء سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وهو ما شكّل انتهاكًا واضحًا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.
ومن ثم، فإن شرعية المطالبة بتحرير الكويت تختلف قانونيًا عن الجدل اللاحق حول حجم الوجود العسكري الأجنبي الذي أعقب التحرير. فالأولى استندت إلى قواعد مستقرة في القانون الدولي، أما الثانية فتتعلق بالترتيبات الأمنية التي استمرت بعد انتهاء المهمة الأصلية.
رابعًا: لماذا فشل الردع؟
يثير غزو الكويت سؤالًا بالغ الأهمية في دراسة الأمن الخليجي: كيف تمكن العراق من احتلال دولة عضو في مجلس التعاون خلال ساعات، رغم وجود تحالفات وثيقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا؟
تقدم الأدبيات عدة تفسيرات:
أولها: أن الولايات المتحدة لم تكن قد أنشأت بعد البنية العسكرية الدائمة التي عرفها الخليج بعد سنة 1991، ولذلك لم تكن لديها قوات كافية داخل المنطقة لردع العراق فورًا.
وثانيها: أن القيادة العراقية أخطأت في تقدير رد الفعل الأميركي، واعتقدت أن واشنطن قد تكتفي بالعقوبات أو الضغوط الدبلوماسية، كما حدث في أزمات سابقة.
وثالثها: أن دول مجلس التعاون لم تكن تمتلك قدرة دفاع جماعي حقيقية، ولم تستطع قوة “درع الجزيرة” الناشئة آنذاك أن تشكل عامل ردع فعلي أمام جيش بحجم الجيش العراقي.
ويشير ريتشارد هاس، الذي شارك في إدارة الأزمة داخل مجلس الأمن القومي الأميركي، إلى أن الإدارة الأميركية نفسها فوجئت بحجم المغامرة العراقية، وأنها انتقلت بسرعة من سياسة الاحتواء إلى قرار تشكيل تحالف دولي واسع لتحرير الكويت[5].
خامسًا: عملية “درع الصحراء“
في 7 أغسطس 1990 بدأت الولايات المتحدة عملية Desert Shield (درع الصحراء)، استجابة لطلب المملكة السعودية، بعد أن تزايدت المخاوف من احتمال تقدم القوات العراقية جنوبًا نحو أراضي المملكة السعودية.
ويُعد هذا الطلب نقطة تحول تاريخية؛ إذ أصبح الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة العربية يتم بصورة واسعة وعلنية، وبموافقة رسمية من الدولة المضيفة. وخلال أشهر قليلة تدفقت مئات آلاف القوات الأميركية وقوات دول التحالف إلى السعودية، كما وصلت وحدات من بريطانيا وفرنسا ومصر وسوريا ودول أخرى.
وتشير وزارة الدفاع الأميركية إلى أن عملية “درع الصحراء” كانت أكبر عملية نقل استراتيجي للقوات الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، وشملت إنشاء قواعد مؤقتة، ومستودعات ضخمة، وشبكات لوجستية معقدة، ومراكز قيادة وسيطرة متقدمة[6].
كان الهدف المعلن منع أي هجوم عراقي على السعودية، لكن العملية أنشأت في الوقت نفسه بنية عسكرية ستصبح أساس الوجود الأميركي طويل الأمد في الخليج.
سادسًا: التحالف الدولي وشرعية استخدام القوة
تميزت حرب تحرير الكويت بأنها حظيت بشرعية دولية أوسع من معظم التدخلات العسكرية اللاحقة. فقد أصدر مجلس الأمن سلسلة قرارات بدأت بالقرار 660، ثم فرض العقوبات الاقتصادية بموجب القرار 661، وانتهت بالقرار 678 في 29 نوفمبر 1990، الذي منح العراق مهلة حتى 15 يناير 1991 للانسحاب، وأجاز للدول الأعضاء استخدام “جميع الوسائل اللازمة” لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة إذا لم يمتثل العراق[7].
وتُعد عبارة “جميع الوسائل اللازمة” الصيغة القانونية التي اعتمدها مجلس الأمن لتفويض استخدام القوة العسكرية. وقد انضمت إلى التحالف أكثر من ثلاثين دولة، بينها دول عربية مثل السعودية والكويت ومصر وسوريا والإمارات وقطر والبحرين، وهو ما منح العملية بعدًا عربيًا إلى جانب بعدها الدولي.
لكن هذه الشرعية لا تلغي وجود نقاش أكاديمي مهم: هل كان التفويض الأممي ينتهي بتحرير الكويت، أم أنه سمح أيضًا بإعادة هندسة النظام الأمني الخليجي لعقود لاحقة؟
سابعًا: عملية “عاصفة الصحراء” وحدود الانتصار العسكري
1 ـ الانتقال من الردع إلى الحرب
انتهت المهلة التي حددها مجلس الأمن للعراق في 15 يناير 1991 من دون انسحاب قواته من الكويت. وفي الساعات الأولى من 17 يناير بدأت قوات التحالف بقيادة واشنطن عملية “عاصفة الصحراء” بحملة جوية واسعة استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والقواعد الجوية، وشبكات الدفاع الجوي، ومنشآت الاتصالات، والقوات العراقية المنتشرة في الكويت وجنوب العراق.
اعتمدت الحملة على تفوق جوي وتقني كبير، وعلى القدرة على دمج الاستطلاع الفضائي والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والذخائر الموجهة والطائرات الشبحية ضمن منظومة عملياتية واحدة. ولهذا قُدمت الحرب لاحقًا في الخطاب العسكري الأميركي بوصفها نموذجًا لما سُمّي “الثورة في الشؤون العسكرية”، أي الانتقال إلى حرب تحسمها المعلومات والدقة والتفوق التكنولوجي، لا الكثافة البشرية وحدها.
لكن هذه الصورة تحتاج إلى قدر من التحفظ. فالذخائر الدقيقة لم تكن تمثل جميع القنابل المستخدمة، كما لم تكن العمليات خالية من الأخطاء أو الخسائر المدنية. كذلك لم يكن الانتصار وليد التكنولوجيا وحدها؛ إذ ساهم ضعف الجيش العراقي بعد ثماني سنوات من الحرب مع إيران، وسوء انتشاره في الكويت، وعجزه عن مواجهة التفوق الجوي للتحالف، في سرعة انهياره.
وتعرض المصادر الرسمية للجيش الأميركي “عاصفة الصحراء” بكونها أول اختبار واسع للجيش الأميركي بعد حرب فيتنام، وأحد أكبر اشتباكات القوات المدرعة منذ الحرب العالمية الثانية، لكنها تربط نجاحها أيضًا بعملية الحشد اللوجستي الطويلة التي سبقتها خلال “درع الصحراء”[8].
2 ـ استهداف العراق وإكراهه على الانسحاب
لم تقتصر الضربات الجوية على القوات الموجودة داخل الكويت، بل شملت أهدافًا عسكرية واستراتيجية داخل العراق. وكان الهدف إضعاف قدرة القيادة العراقية على إدارة الحرب، وتدمير جزء كبير من القوة التي يمكن أن تستخدمها لمقاومة الهجوم البري أو تهديد دول الخليج مجددًا.
كما تعرضت البنية التحتية العراقية لأضرار واسعة، ولا سيما شبكات الكهرباء والاتصالات والنقل والمنشآت المرتبطة بالقدرة العسكرية. ويدور خلاف مهم في الأدبيات حول مدى التناسب بين الأهداف العسكرية وحجم التدمير الذي أصاب بنية الدولة والمجتمع.
رأت قيادة التحالف أن ضرب تلك المنشآت كان ضروريًا لتعطيل آلة الحرب العراقية، بينما رأى منتقدون أن الحملة تجاوزت في بعض جوانبها هدف تحرير الكويت إلى تدمير واسع لقدرة العراق الاقتصادية والتقنية. ويتصل هذا الخلاف بسؤال أعمق: هل كانت الحرب تستهدف إخراج الجيش العراقي من الكويت فقط، أم إعادة تشكيل ميزان القوة الخليجي بإضعاف العراق لسنوات طويلة؟
3 ـ الصواريخ العراقية ومحاولة تفكيك التحالف
أطلق العراق صواريخ باليستية من طراز “الحسين”، المطوَّر عن صاروخ سكود السوفياتي، على السعودية و”إسرائيل”. وكان الهدف السياسي من استهداف “إسرائيل” دفعها إلى الرد، بما قد يؤدي إلى انسحاب الدول العربية من التحالف أو إحراجها أمام شعوبها.
عملت الولايات المتحدة على منع “إسرائيل” من الرد، وقدمت لها دعمًا دفاعيًا واستخباراتيًا، كما نشرت منظومات “باتريوت” في السعودية و”إسرائيل”. وقد أظهر هذا التطور أن الحرب لم تكن صراعًا عراقيًا ـ كويتيًا محدودًا، بل كانت قابلة للتحول إلى حرب إقليمية أوسع تتداخل فيها القضية الفلسطينية والعلاقات العربية ـ الإسرائيلية والتحالفات الأميركية.
وحتى لو كان الأثر العسكري للصواريخ محدودًا نسبيًا، فقد كان أثرها السياسي والنفسي كبيرًا. كما كشفت عن أهمية الدفاع الصاروخي في العقيدة الأمنية الخليجية، وهو المجال الذي سيصبح بعد الحرب أحد أكبر مجالات الإنفاق العسكري والاعتماد التقني على الولايات المتحدة.
4 ـ الحرب البرية وتحرير الكويت
بدأ الهجوم البري في 24 فبراير 1991 بعد أكثر من خمسة أسابيع من القصف الجوي. تقدمت قوات عربية ودولية باتجاه الكويت، بينما نفذت القوات الأميركية والبريطانية مناورة التفاف واسعة غربًا داخل الأراضي العراقية بهدف ضرب الحرس الجمهوري وقطع طرق الانسحاب.
انهارت قطاعات واسعة من الجيش العراقي بسرعة، وأُعلن تحرير الكويت في 27 فبراير، ثم أعلن الرئيس جورج بوش الأب وقف العمليات الهجومية في 28 فبراير، بعد نحو مئة ساعة من بدء الحملة البرية.
يمثل التوقف عند تحرير الكويت فارقًا أساسيًا بين حرب 1991 وغزو العراق سنة 2003. فقد رفضت إدارة بوش الأب المضي إلى بغداد لإسقاط النظام، لأن التفويض الدولي كان متعلقًا بتحرير الكويت، ولأن احتلال العراق كان سيعرض التحالف للتفكك ويضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية إدارة دولة كبيرة ومعقدة.
في مذكراتهما المشتركة، دافع جورج بوش الأب وبرنت سكوكروفت عن قرار وقف العمليات العسكرية عند حدود تحرير الكويت، مؤكدين أن إسقاط نظام صدام حسين لم يكن جزءًا من أهداف التحالف أو من التفويض الذي منحه مجلس الأمن. وحذّرا من أن التقدم إلى بغداد كان سيجبر الولايات المتحدة على احتلال العراق وإدارته مباشرة، مع ما يستتبعه ذلك من انهيار التحالف الدولي، وغياب استراتيجية خروج واضحة، وتحمل أعباء سياسية وعسكرية غير محسوبة. ويعكس هذا التقييم إدراكًا مبكرًا للفارق بين تحقيق نصر عسكري محدود ضمن أهداف واضحة، وبين الانخراط في مشروع تغيير نظام وإعادة بناء دولة مهزومة، بما يحمله من تحديات طويلة الأمد[9].
5 ـ “طريق الموت” وحدود استخدام القوة
خلال انسحاب القوات العراقية من الكويت تعرضت أرتال عسكرية ومركبات مدنية وعسكرية مختلطة لهجمات جوية مكثفة على الطريق بين مدينة الكويت والبصرة، فيما أصبح يُعرف بـ”طريق الموت”.
رأت قيادة التحالف أن القوات المنسحبة ظلت قوة عسكرية مسلحة ولم تكن قد استسلمت، ولذلك بقيت هدفًا مشروعًا. في المقابل، أثارت صور المركبات المحترقة والجثث جدلًا بشأن ضرورة استمرار القصف وحجم القوة المستخدمة ضد قوات كانت في طور الانسحاب.
ويكشف هذا الجدل التوتر بين المنطق العسكري والمنطق السياسي والإنساني. فمن الناحية العملياتية، كان التحالف يريد منع الجيش العراقي من إعادة تنظيم نفسه والاحتفاظ بقوة تهدد الكويت. لكن من الناحية السياسية، أصبحت الصور دليلًا لدى منتقدي الحرب على أن هدفها تجاوز إجبار العراق على الانسحاب.
ولا يمكن اختزال الواقعة في وصف واحد؛ إذ كانت بعض الأرتال تضم قوات ومعدات عسكرية، في حين كانت طرق الانسحاب تشهد أيضًا فوضى واختلاطًا بين العسكريين والمدنيين والمركبات المنهوبة. ولذلك ينبغي تجنب تحويل الواقعة إلى رواية دعائية، سواء بتصوير جميع المستهدفين كمدنيين عزل أو بتجاهل الأسئلة المتعلقة بالتناسب والضرورة العسكرية.
ثامنًا: لماذا لم يُسقط التحالف نظام صدام حسين؟
1ـ حدود التفويض الدولي
كان القرار 678 يجيز استخدام القوة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن واستعادة سيادة الكويت، لكنه لم يمنح تفويضًا صريحًا باحتلال العراق أو إسقاط حكومته. ولهذا كان التقدم إلى بغداد سيغير الأساس القانوني والسياسي للعملية.
كما أن عددًا من الدول العربية المشاركة في التحالف، ولا سيما مصر وسوريا والسعودية، انضم إلى الحرب على أساس تحرير الكويت، لا المشاركة في تغيير النظام العراقي أو تقسيم العراق.
2 ـ الخوف من انهيار الدولة العراقية
خشيت واشنطن من أن يؤدي إسقاط النظام إلى تفكك العراق، أو اندلاع حرب أهلية، أو توسع النفوذ الإيراني. فرغم أن العراق كان قد أصبح مصدر التهديد المباشر لدول الخليج، فإنه ظل يشكل في الوقت نفسه عنصرًا في موازنة إيران.
وهنا يظهر التناقض الذي حكم السياسة الأميركية: كان المطلوب تدمير قدرة العراق على مهاجمة جيرانه، ولكن من دون إزالته بوصفه دولة موازنة لإيران. ولذلك فضلت واشنطن إضعاف النظام واحتواءه على تحمل كلفة إسقاطه وإدارة ما بعده.
3 ـ توقع انقلاب داخلي
اعتقدت الإدارة الأميركية أن الهزيمة العسكرية قد تؤدي إلى انقلاب داخل الجيش أو حزب البعث يطيح بصدام حسين من دون تدخل أميركي مباشر. كما شجعت خطابات الرئيس بوش العراقيين على الانتفاض ضد النظام.
اندلعت بالفعل انتفاضات واسعة في جنوب العراق وشماله في مارس 1991. لكن قوات التحالف لم تتدخل لإسقاط النظام أو حماية الانتفاضات في مراحلها الأولى، وتمكنت القوات العراقية من قمعها بعنف.
أنتج ذلك شعورًا عميقًا بالخيانة لدى قطاعات عراقية اعتقدت أن واشنطن شجعتها ثم تخلت عنها. كما أدى القمع والنزوح الواسع، ولا سيما في المناطق الكردية، إلى تدخلات إنسانية لاحقة وإنشاء مناطق حظر طيران.
4 ـ انتصار غير مكتمل
حررت الحرب الكويت وكسرت القوة الهجومية العراقية، لكنها لم تحل المشكلة العراقية. فقد بقي صدام حسين في الحكم، وبقي العراق خاضعًا للعقوبات والتفتيش والضغط العسكري، وتحولت المواجهة من حرب مفتوحة قصيرة إلى أزمة ممتدة استمرت اثني عشر عامًا.
ومن ثم، كان انتصار 1991 واضحًا على المستوى العملياتي، لكنه غير مكتمل على المستوى السياسي. أعيدت الدولة الكويتية، لكن لم يُبنَ نظام إقليمي قادر على معالجة أسباب الصراع أو إعادة العراق إلى علاقات طبيعية مع جيرانه.
تاسعًا: القرار 687 وإقامة نظام الوصاية على العراق
في 3 أبريل 1991 أصدر مجلس الأمن القرار 687، الذي وضع شروط وقف إطلاق النار الدائم. وقد كان القرار أوسع بكثير من مجرد إنهاء العمليات العسكرية؛ إذ ألزم العراق بالاعتراف بالحدود الدولية مع الكويت، وقبول منطقة منزوعة السلاح، والتخلي عن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والصواريخ التي يتجاوز مداها 150 كيلومترًا، وإخضاع برامجه النووية لتفتيش دولي واسع[10].
كما حمّل القرار العراق المسؤولية القانونية عن الأضرار التي نتجت من غزو الكويت، وأنشأ آلية للتعويضات، وأبقى حظر توريد الأسلحة والعقوبات الأساسية مرتبطًا بامتثال العراق لشروط نزع السلاح.
1 ـ وقف إطلاق نار مشروط
لم يكن القرار 687 اتفاق سلام متفاوضًا عليه بين العراق والكويت، بل نظامًا إلزاميًا أصدره مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وقد جعل استمرار وقف إطلاق النار مرتبطًا بقبول العراق مجموعة واسعة من القيود والالتزامات.
ومن الناحية القانونية، مثّل القرار محاولة لمنع تكرار العدوان وضمان عدم احتفاظ العراق بقدرات غير تقليدية تهدد جيرانه. لكنه أنشأ في الوقت نفسه صيغة غير مسبوقة تقريبًا من الرقابة الدولية الممتدة على قدرات دولة ذات سيادة.
2 ـ ترسيم الحدود والمنطقة المنزوعة السلاح
طالب القرار العراق والكويت باحترام الحدود التي اعترف بها العراق في محضر سنة 1963، ودعا إلى ترسيمها بمساعدة الأمم المتحدة. كما نص على نشر بعثة مراقبة دولية في منطقة منزوعة السلاح تمتد عشرة كيلومترات داخل العراق وخمسة كيلومترات داخل الكويت، لمراقبة الحدود ومنع الأعمال العدائية[11].
أسهمت هذه الترتيبات في حماية الكويت من هجوم عراقي جديد، لكنها جعلت أمن الحدود مرتبطًا بضمان دولي مباشر. وهكذا لم تعد الحدود العراقية ـ الكويتية مجرد مسألة ثنائية، بل أصبحت جزءًا من نظام أمني تشرف عليه الأمم المتحدة وتدعمه القوة الغربية.
3 ـ نزع أسلحة الدمار الشامل
استندت شروط نزع السلاح إلى تجربة استخدام العراق للأسلحة الكيميائية خلال حربه مع إيران، وإلى برنامجه النووي والصاروخي. وأنشئت لجنة الأمم المتحدة الخاصة، المعروفة بـUNSCOM، لتنفيذ عمليات التفتيش والتدمير، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
نجحت فرق التفتيش في كشف وتدمير أجزاء مهمة من البرامج العراقية، لكن العلاقة بين بغداد والمفتشين تحولت تدريجيًا إلى صراع سياسي واستخباراتي. اتهم العراق اللجان بتجاوز صلاحياتها والعمل لمصلحة الولايات المتحدة، بينما اتهمته الأمم المتحدة وواشنطن بإخفاء المعلومات وعرقلة التفتيش.
ومنذ ذلك الوقت أصبح ملف أسلحة الدمار الشامل الأداة الأساسية التي تربط العقوبات بالضغط العسكري، ثم سيصبح المبرر الرئيس لغزو العراق سنة 2003، رغم عدم العثور لاحقًا على مخزونات الأسلحة التي استندت إليها مبررات الغزو.
4 ـ التعويضات الاقتصادية
أقر القرار بأن العراق مسؤول بموجب القانون الدولي عن الخسائر والأضرار المباشرة، بما فيها الأضرار البيئية واستنزاف الموارد الطبيعية، الناتجة من غزو الكويت واحتلالها. وأنشئت لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، التي مُوّلت من نسبة من عائدات النفط العراقي.
كان مبدأ التعويض مشروعًا من حيث تحميل الدولة المعتدية مسؤولية الأضرار، لكن اقتطاع جزء من إيرادات دولة تعاني العقوبات والحصار أثار نقاشًا حول التوازن بين حق الضحايا وعدم تحميل المجتمع العراقي أعباءً طويلة الأمد عن قرارات النظام.
عاشرًا: كلفة الحرب ومن موّل الحماية؟
قدمت حرب 1991 نموذجًا واضحًا للطبيعة الاقتصادية لنظام الحماية. فقد تحملت السعودية والكويت ودول أخرى جزءًا كبيرًا من كلفة انتشار القوات والحرب، سواء عبر المساهمات النقدية أو الدعم العيني أو توفير المنشآت والخدمات.
وتشير بيانات مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي إلى أن الحلفاء تعهدوا بنحو 54 مليار دولار، وقدموا حتى مراحل التقييم الأولى نحو 44.5 مليار دولار، منها 39.1 مليار دولار نقدًا و5.4 مليارات دولار دعمًا عينيًا. كما كانت السعودية والكويت من أكبر الممولين المتوقعين للمساهمات المتبقية[12].
وقدّرت تقارير أخرى لمكتب المحاسبة أن التكاليف الإجمالية المرتبطة بالتعبئة والعمليات قد تتجاوز 100 مليار دولار عند احتساب نفقات تجهيز القوات والمحافظة عليها، بينما ساهمت المدفوعات الخارجية في تخفيض العبء الصافي على الخزانة الأميركية.[13]
1 ـ الحماية كعلاقة أمنية ـ مالية
يكشف ذلك أن التحالف لم يكن تبادلًا أمنيًا مجانيًا. فقد وفرت الولايات المتحدة القوة العسكرية والتكنولوجيا والقيادة، بينما وفرت الدول الخليجية التمويل والمنشآت والموقع الجغرافي والطاقة.
نشأت بذلك معادلة يمكن تسميتها “الأمن مقابل التمويل والتموضع”: تحصل الدول الخليجية على الحماية، وتحصل القوة الحامية على تغطية مالية جزئية لانتشارها، ونفاد طويل الأمد إلى المنشآت، ونفوذ واسع في سوق السلاح والسياسات الإقليمية.
2 ـ من يدفع يملك القرار؟
رغم ضخامة مساهمات دول الخليج، لم تتحول تلك المساهمات إلى سيطرة متكافئة على القرار العسكري. فقد بقي التخطيط الاستراتيجي والقيادة والقدرات الاستخباراتية الأساسية في يد الولايات المتحدة.
وهذا يبين الفرق بين تمويل الحماية وامتلاكها. تستطيع الدولة المضيفة تغطية جزء كبير من النفقات، لكنها تظل معتمدة على قرارات القوة الأجنبية في توقيت التدخل وحدوده وأهدافه وقواعد الاشتباك.
حادي عشر: الآثار البيئية والاقتصادية لتحرير الكويت
قبل انسحابه، أضرم الجيش العراقي النار في مئات آبار النفط الكويتية وفتح صمامات ومنشآت أدت إلى تسربات نفطية واسعة. وغطت السحب الدخانية مناطق كبيرة، واحتاج إطفاء الحرائق وإعادة تشغيل الصناعة النفطية إلى جهود دولية استمرت أشهرًا.
أظهر هذا التدمير أن المنشآت النفطية ليست مجرد أصول اقتصادية، بل أهداف استراتيجية يمكن استخدامها كسلاح لإلحاق الضرر بالدولة وبالبيئة وبالاقتصاد العالمي.
كما أسهمت عمليات إعادة الإعمار في تعزيز الاعتماد الخليجي على الشركات الغربية في مجالات الإطفاء والهندسة والأمن وإعادة تأهيل البنية التحتية. وبهذا لم تكن الحرب عملية عسكرية فقط، بل عملية اقتصادية ضخمة أعادت توجيه الموارد والعقود والعلاقات مع الشركات والدول المشاركة.
ثاني عشر: النتائج السياسية والاجتماعية للحرب في الخليج
1 ـ تعزيز شرعية الحماية الخارجية
أثبت غزو الكويت، في نظر الحكومات الخليجية، أن التهديد الأكبر قد يأتي من دولة عربية مجاورة، لا من إيران كما كانت المزاعم المترددة، وقد ظهر ذلك ليس في حالة العراق والكويت فحسب، بل وفي حالة السعودية وقطر (2017)، والسعودية واليمن (2015). ومن ثم، لم يعد من الممكن بناء السياسة الأمنية على التضامن العربي أو التوازنات التقليدية.
صار الوجود العسكري الأميركي يُقدَّم بوصفه ضرورة لحماية الدول الصغيرة من القوى الإقليمية الأكبر. وقد عززت سرعة تحرير الكويت الاعتقاد بأن التحالف الخارجي أكثر فاعلية من المؤسسات العسكرية العربية أو الخليجية المشتركة.
2 ـ اهتزاز شرعية النظام الأمني العربي
كشف الغزو عجز جامعة الدول العربية عن منع الحرب، وانقسام الدول العربية بين مؤيد للتحالف، أو متعاطف مع العراق، أو رافض للوجود العسكري الغربي.
كما أضعف النظام العربي الرسمي، وكرّس انتقال مركز القرار الأمني من المؤسسات العربية إلى التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة. ومنذ تلك اللحظة أصبح مجلس الأمن والتحالف الغربي أكثر تأثيرًا في أمن الخليج من جامعة الدول العربية أو أي إطار عربي جماعي.
3 ـ الوجود العسكري والسجال الديني والسياسي
ثار قرار القيادة السعودية في أغسطس 1990 السماح بنشر قوات أميركية وغربية واسعة على أراضي المملكة جدلًا دينيًا وسياسيًا داخليًا. فعلى الرغم من حصول الحكومة على فتوى من هيئة كبار العلماء تجيز الاستعانة بالقوات الأجنبية في مواجهة الخطر العراقي، اعترض عدد من دعاة وعلماء تيار الصحوة وناشطين إسلاميين على القرار، ورأوا في الوجود العسكري غير المسلم في المملكة مساسًا بالسيادة وبالمكانة الدينية الخاصة لبلاد الحرمين. وأسهمت هذه القضية في نقل خطاب الصحوة خلال السنوات التالية من النقد الديني والاجتماعي إلى معارضة سياسية أكثر صراحة، ظهرت في العرائض والمذكرات الإصلاحية، ولا سيما “مذكرة النصيحة” عام 1992[14].
استُخدم هذا الملف لاحقًا في خطاب تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، الذي قدم الوجود العسكري الأميركي في السعودية بوصفه دليلًا على خضوع الحكومات الخليجية للغرب.
ولا يعني ذلك أن حرب الخليج أنتجت تنظيم القاعدة بصورة مباشرة؛ فقد كانت له جذور أفغانية وأيديولوجية وتنظيمية متعددة. لكنها قدمت موضوعًا تعبويًا مركزيًا، وربطت لدى الحركات الجهادية بين أنظمة الخليج والانتشار العسكري الأميركي.
4 ـ الإصلاح السياسي المحدود
أدّت صدمة الاحتلال في الكويت إلى مطالب بإعادة الحياة البرلمانية وتعزيز المشاركة السياسية، فعادت انتخابات مجلس الأمة في سنة 1992. وفي السعودية قُدمت عرائض تطالب بالإصلاح، وصدر النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق سنة 1992.
لكن الإصلاحات بقيت محدودة ومحكومة بمنطق احتواء التداعيات أكثر من الانتقال إلى مشاركة سياسية كاملة. ومن ثم، كان للحرب أثر مزدوج: عززت الاعتماد الأمني على الخارج، ودفعت في الوقت نفسه إلى مطالب داخلية بإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ثالث عشر: من التحالف المؤقت إلى ترتيبات الدفاع الدائمة
كان من المفترض أن ينتهي الوجود العسكري الواسع بانتهاء تحرير الكويت. وقد نص القرار 687 على تهيئة الظروف لإنهاء الوجود العسكري للتحالف داخل العراق بعد نشر بعثة المراقبة الدولية.
لكن ما حدث في الخليج كان مختلفًا. لم تبقَ القوات بالحجم نفسه الذي وصلت إليه أثناء الحرب، إلا أن البنية العسكرية واللوجستية التي أُنشئت لم تُفكك بالكامل. وبدل العودة إلى نمط الوجود البحري المحدود، انتقلت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى منظومة جديدة تقوم على:
ـ اتفاقيات دفاع ثنائية
ـ إمكانية استخدام القواعد والمطارات
ـ التخزين المسبق للأسلحة والمعدات
ـ التدريب والمناورات المشتركة
ـ وجود بحري وجوي مستمر
ـ نشر قوات إضافية سريعًا عند الأزمات
ـ تطوير الدفاع الجوي والصاروخي
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن حرب 1991 أدّت مباشرة إلى زيادة الانخراط العسكري الأميركي في الخليج، وإلى نشوء شكل من “الدبلوماسية المسلحة” المستمرة عبر مناطق حظر الطيران والضربات الدورية والانتشار الدائم[15].
رابع عشر: الاتفاقيات الدفاعية الجديدة
1 ـ الكويت
كانت الكويت أكثر دول الخليج اندفاعًا نحو طلب ضمانات دفاعية واضحة بعد تجربة الاحتلال. فأبرمت اتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة في سبتمبر 1991، ثم وسعت علاقاتها الدفاعية مع بريطانيا وفرنسا.
وفّرت هذه الاتفاقيات إطارًا للتدريب والتسليح والتخزين المسبق وإجراء المناورات واستخدام المنشآت الكويتية عند الطوارئ. ولم تكن الكويت مستعدة بعد الاحتلال للاعتماد على ضمانات سياسية عامة أو على قوة مجلس التعاون وحدها.
2 ـ البحرين
كانت البحرين تستضيف الوجود البحري الأميركي قبل الحرب، لكن هذا الوجود توسع وترسخ بعدها. وفي سنة 1991 أبرمت المنامة اتفاقية تعاون دفاعي مع واشنطن، ثم أصبحت مقرًا للأسطول الخامس الأميركي عند إعادة إنشائه سنة 1995.
أكسب الموقع البحرين أهمية استراتيجية تتجاوز حجمها الجغرافي والسكاني؛ إذ تحولت إلى مركز لإدارة العمليات البحرية في الخليج وبحر العرب وأجزاء من المحيط الهندي.
3 ـ قطر
أبرمت قطر اتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة سنة 1992. وتطورت العلاقة لاحقًا عبر إنشاء قاعدة العديد الجوية ومرافق التخزين في السيلية، لتصبح قطر مركزًا رئيسيًا للعمليات الجوية والقيادة والسيطرة الأميركية.
كان هذا التحول جزءًا من محاولة قطر تعزيز أمنها واستقلال قرارها عن القوى الخليجية الأكبر، لا مجرد حماية نفسها من العراق أو إيران.
4 ـ الإمارات
وسعت الإمارات تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة وفرنسا، وسمحت باستخدام منشآتها الجوية والبحرية، مع المحافظة على قدر من التحفظ في الإعلان عن تفاصيل الوجود الأجنبي.
اتخذت أبوظبي سياسة تقوم على تنويع الشركاء، فجمعت بين التسليح الأميركي والتعاون الفرنسي والعلاقات مع بريطانيا، بدل الاعتماد على ضامن واحد بصورة مطلقة.
5 ـ عُمان
كانت عُمان قد أبرمت منذ سنة 1980 اتفاقية تسمح للقوات الأميركية باستخدام منشآت عسكرية في حالات الطوارئ، ثم جرى تجديد هذه الترتيبات وتطويرها بعد حرب الخليج.
وقد جعل موقع عُمان على بحر العرب ومضيق هرمز وقربها من المحيط الهندي منشآتها مهمة للانتشار والتموين، مع بقاء الوجود الفعلي أقل ظهورًا من البحرين أو قطر.
6 ـ السعودية
لم تُصغ العلاقة السعودية ـ الأميركية بعد الحرب في صورة قاعدة استعمارية تقليدية أو اتفاق دفاع معلن شامل، لكنها اعتمدت على وجود قوات وطائرات ومراكز قيادة وتدريب داخل المملكة.
استُخدمت قاعدة الأمير سلطان الجوية ومنشآت أخرى لتنفيذ عمليات مراقبة منطقة حظر الطيران جنوب العراق. وبذلك تحول الوجود الذي دخل السعودية لصد الغزو العراقي إلى وجود مستمر مرتبط باحتواء العراق. وقد لعبت القاعدة دورًا محوريًا في الحرب الاميركية ـ الاسرائيلية على ايران في فبراير 2026، كما كشف تدمير طائرات استراتيجية مثل أواكس في القاعدة عن حضور عسكري أميركي نوعي[16].
خامس عشر: طبيعة القاعدة العسكرية الجديدة
لم تكن القواعد التي نشأت بعد 1991 محميات استعمارية بالمعنى البريطاني القديم. فقد بقيت الدول الخليجية مستقلة قانونيًا، وكانت القوات الأجنبية موجودة بموجب اتفاقات مع الحكومات المضيفة.
لكن الاستقلال القانوني لا يلغي عدم التكافؤ الوظيفي. فالدولة المضيفة تحتفظ بالسيادة الاسمية على الأرض، بينما تعتمد في تشغيل منظومتها الدفاعية على دولة أجنبية تمتلك القيادة والتكنولوجيا والاستخبارات والقدرة على التعزيز العسكري.
ولهذا يمكن وصف النظام بأنه “سيادة تعاقدية مقيدة بالاعتماد الأمني”. فوجود القوات يستند إلى موافقة الدولة، لكنه يخلق شبكة مصالح وقدرات تجعل إنهاءه أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
1 ـ القاعدة ليست منشأة فقط
لا ينبغي اختزال القواعد في المباني والمدارج. فالقاعدة جزء من منظومة تشمل:
ـ الاتصالات الفضائية
ـ الرادارات والإنذار المبكر
ـ مخازن الذخيرة
ـ العقود الفنية
ـ المستشارين والمدربين
ـ مراكز القيادة والسيطرة
ـ شبكات تبادل المعلومات
ـ اتفاقات الوضع القانوني للقوات
ومن ثم، تستطيع قوة أجنبية الاحتفاظ بنفوذ عملياتي كبير حتى عندما يكون عدد جنودها محدودًا، ما دامت تسيطر على الشبكة التقنية واللوجستية التي تحتاج إليها القوات المحلية.
2 ـ القواعد الأمامية والتعزيز السريع
تبنت الولايات المتحدة بعد 1991 نموذجًا لا يتطلب إبقاء مئات آلاف الجنود بصورة دائمة. يقوم النموذج على وجود قوة أمامية محدودة، ومعدات مخزّنة مسبقًا، وقواعد جاهزة لاستقبال التعزيزات، وقدرة جوية وبحرية على نقل القوات بسرعة.
خفض هذا النموذج الكلفة السياسية والمالية للوجود الدائم، لكنه حافظ على القدرة على إعادة تشكيل قوة كبيرة عند اندلاع أزمة، كما سيحدث قبل غزو العراق سنة 2003.
سادس عشر: التقييم النقدي لحرب تحرير الكويت
1 ـ ما حققته الحرب
حققت الحرب نتائج واضحة لا يمكن تجاهلها:
ـ أعادت استقلال الكويت
ـ منعت ضم دولة بالقوة
ـ أضعفت قدرة العراق على مهاجمة السعودية أو دول أخرى
ـ أثبتت إمكانية تطبيق قرارات مجلس الأمن بالقوة
ـ طمأنت الدول الخليجية الصغيرة إلى وجود ضامن خارجي
ولا يمكن مساواة تحرير الكويت قانونيًا وأخلاقيًا بغزو العراق سنة 2003؛ فالأولى استندت إلى عدوان ثابت على دولة ذات سيادة وإلى تفويض صريح من مجلس الأمن، بينما افتقرت الثانية إلى تفويض مماثل.
2 ـ ما لم تحققه الحرب
ـ لم تبنِ الحرب نظامًا إقليميًا مستقلًا.
ـ لم تُصلح العلاقات العراقية ـ الكويتية عبر تسوية سياسية متفاوض عليها.
ـ لم تدمج العراق في توازن خليجي مستقر.
ـ لم تطور قدرة مجلس التعاون على الدفاع الذاتي بالقدر الكافي.
ـ لم تعالج جذور سباق التسلح أو نزاعات الشرعية والحدود والنفط.
بل أفضت إلى انتقال الاعتماد الخليجي على الغرب من حالة اضطرارية مؤقتة إلى بنية دائمة.
3 ـ معضلة الردع والتبعية
من جهة، أصبحت الدول الخليجية بعد 1991 أكثر أمنًا في مواجهة غزو تقليدي واسع، لكنها أصبحت أكثر اعتمادًا على القرار والتكنولوجيا والقوة الأميركية.
ومن جهة أخرى، تحقق الردع الخارجي، لكن القدرة الذاتية لم تنمُ بالمقدار نفسه. وأصبحت القواعد تمنع بعض أشكال الحرب، لكنها تولد في الوقت نفسه اعتراضًا داخليًا وعداءً إيرانيًا، وتجعل أراضي الدول المضيفة جزءًا من التخطيط العسكري الأميركي.
وهذه هي المفارقة التي ستلازم أنظمة الخليج لاحقًا: كلما ازدادت الحماية الخارجية، ازدادت كلفة الانفصال عنها، واتسعت الفجوة بين الإنفاق العسكري المحلي والاستقلال الدفاعي الحقيقي.
وفي نهاية المطاف، مثّل غزو الكويت إخفاقًا كاملًا لنظام الردع الخليجي السابق. فقد عجز مجلس التعاون عن حماية أحد أعضائه، ولم تمنع التفاهمات العربية العراق من إلغاء دولة مجاورة بالقوة.
وكان تدخل التحالف الدولي ضروريًا لإعادة سيادة الكويت، وتمتع بأساس قانوني دولي واضح. لكن التحرير لم يعد المنطقة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الغزو؛ بل أنشأ نظامًا أمنيًا جديدًا.
فقد تحولت الولايات المتحدة من قوة تستطيع الوصول إلى الخليج عند الضرورة إلى قوة موجودة داخله بصورة مستمرة. وأصبحت الاتفاقيات الدفاعية والقواعد والتخزين المسبق ومراكز القيادة عناصر ثابتة في أمن دول المجلس.
وبذلك دشنت حرب 1991 مرحلة “الأمن المضمون خارجيًا”: حافظت الدول الخليجية على استقلالها القانوني، لكنها ربطت أمنها العسكري ببنية تقودها الولايات المتحدة.
أما العراق، فقد انتقل من قوة عربية موازنة لإيران إلى دولة محاصرة ومنزوعة القدرات وتحت رقابة دولية وعسكرية مستمرة. وستؤدي هذه الصيغة إلى مرحلة “الاحتواء المزدوج”، ومناطق حظر الطيران، والعقوبات، والمواجهات العسكرية المتقطعة، وصولًا إلى غزو العراق سنة 2003.
السابع عشر: الاحتواء المزدوج والعقوبات ومناطق حظر الطيران (1991 ـ 2003)
أولًا: من تحرير الكويت إلى إحتواء العراق وايران
أنتجت حرب الخليج سنة 1991 اختلالًا جديدًا في توازن القوى الإقليمي. فقد خرج العراق مهزومًا ومحاصرًا، لكنه لم يخرج نهائيًا من معادلة الأمن الخليجي، بينما بقيت إيران القوة الإقليمية الكبرى الأخرى، وقد شرعت في إعادة بناء قدراتها العسكرية الدفاعية بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية. وأمام هذا الواقع، لم تعد الولايات المتحدة راغبة في العودة إلى سياسة موازنة إيران بالعراق أو العراق بإيران، كما فعلت بدرجات متفاوتة خلال العقود السابقة.
بدلًا من ذلك، اتجهت إدارة بيل كلينتون، منذ سنة 1993، إلى سياسة عُرفت باسم “الاحتواء المزدوج”، تقوم على احتواء العراق وإيران في آن واحد، ومنع كل منهما من التحول إلى قوة مهيمنة على الخليج. وقد عرض مارتن إنديك، المسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي، معالم هذه السياسة في مايو 1993، مؤكدًا أن واشنطن لم تعد مضطرة إلى الاعتماد على إحدى الدولتين لموازنة الأخرى، بعدما أصبح الوجود العسكري الأميركي المباشر في المنطقة قادرًا على التعامل معهما معًا.[17]
مثّل الاحتواء المزدوج تحولًا مهمًا في التاريخ الجيوسياسي للخليج. ففي سياسة “العمودين المتساندين” كانت الولايات المتحدة تعتمد على قوتين إقليميتين، مع إعطاء إيران الدور العسكري الأكبر. أما في التسعينيات، فقد أصبحت القوة الأميركية نفسها هي الركيزة المركزية، بينما تحولت دول الخليج العربية إلى قواعد ارتكاز وتمويل واستضافة، وأصبحت إيران والعراق موضوعين للاحتواء والردع.
وبذلك لم يعد التوازن قائمًا بين القوى الخليجية، بل بين قوة دولية موجودة داخل الإقليم ودولتين إقليميتين مستبعدتين من نظامه الأمني. وهذه هي السمة البنيوية الأهم للمرحلة: انتقل الخليج من توازن تديره الولايات المتحدة من الخارج إلى توازن تفرضه من داخله.
ثانيًا: منطق سياسة الاحتواء المزدوج
1ـ العراق بوصفه تهديدًا عسكريًا قائمًا
رأت واشنطن أن العراق، رغم هزيمته، ظل يمتلك نظامًا سياسيًا قادرًا على إعادة بناء قوته وتهديد الكويت والسعودية. كما استمر الشك في احتفاظه ببرامج تسلح غير تقليدية أو محاولته إخفاء أجزاء منها، وهو ما جعل العقوبات والتفتيش والانتشار العسكري أدوات مترابطة ضمن سياسة واحدة.
لم يكن الهدف الأميركي المعلن في البداية إسقاط النظام العراقي، بل ضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومنع بغداد من إعادة التسلح أو تهديد جيرانها، واحتواء قدرتها على قمع السكان في الشمال والجنوب.
لكن استمرار هذه السياسة من دون أفق زمني واضح جعل الاحتواء يتحول تدريجيًا من إجراء مؤقت إلى نظام دائم. فكلما طال بقاء صدام حسين وازدادت الخلافات حول التفتيش، تعزز الاعتقاد في واشنطن بأن الاحتواء لا يحل المشكلة، بل يؤجلها.
2 ـ شيطنة إيران سياسيًا واستراتيجيًا
اختلفت أدوات احتواء إيران عن أدوات احتواء العراق. فلم تكن إيران خاضعة لعقوبات أممية شاملة أو لقرارات وقف إطلاق نار مشابهة للقرار 687، ولم يكن هناك أساس قانوني لتطبيق نموذج العراق عليها.
لذلك اعتمدت الولايات المتحدة على العقوبات الأحادية، ومنع التمويل والاستثمار، والضغط على حلفائها لتقييد علاقاتهم الاقتصادية مع طهران، مع الاستمرار في الوجود العسكري لردعها. وتظهر المراجعات اللاحقة للسياسة أن احتواء العراق ظل متعدد الأطراف بسبب قرارات مجلس الأمن، بينما كان احتواء إيران أكثر اعتمادًا على الإجراءات الأميركية المنفردة.
واتهمت واشنطن إيران بدعم جماعات مسلحة، وعرقلة عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية، والسعي إلى تطوير الصواريخ وأسلحة معقّدة. أما إيران فاعتبرت السياسة محاولة لإبقائها معزولة ومنعها من أداء دورها الطبيعي في الخليج، ورأت في القواعد الأميركية المحيطة بها دليلًا على أن الاحتواء يستهدف الدولة في ايران نفسها، لا سياساتها المحددة فقط.
3 ـ إشكالية الجمع بين خصمين متعارضين
افترضت سياسة الاحتواء المزدوج أن إيران والعراق يمثلان تهديدين يمكن التعامل معهما ضمن إطار واحد، رغم أن الدولتين كانتا عدوّتين خرجتا من حرب مدمرة.
أدى ذلك إلى تحميل الولايات المتحدة كلفة احتواء قوتين إقليميتين متنافستين بدل استثمار التنافس بينهما. كما جعل السياسة الأميركية معادية عمليًا للدولتين الأكبر في الخليج، وأضعف إمكانية بناء توازن إقليمي أقل اعتمادًا على الانتشار العسكري المباشر.
وانتقد بعض الخبراء الأميركيين هذه السياسة لأنها لم تميز بما يكفي بين طبيعة التهديد العراقي وطبيعة الدولة والمجتمع الإيرانيين، ولأنها حولت الاحتواء من وسيلة محدودة إلى غاية استراتيجية في ذاتها. واقترحت مراجعات لاحقة استبداله بـ”احتواء متمايز” يعامل كل دولة بحسب سلوكها وظروفها بدل وضعهما ضمن تصنيف واحد[18].
ثالثًا: العقوبات الدولية على العراق
1 ـ من عقوبة على الغزو إلى أداة لنزع السلاح
فرض مجلس الأمن في القرار 661 الصادر في 6 أغسطس 1990 عقوبات اقتصادية شاملة على العراق بعد غزوه الكويت، شملت حظر معظم الصادرات والواردات والمعاملات المالية. وكان هدفها الأصلي إجبار العراق على الانسحاب. وبعد التحرير، لم تُرفع العقوبات، بل ربط القرار 687 تخفيفها أو إنهاءها بالتزام العراق بشروط نزع السلاح والرقابة الدولية.
هكذا تغيرت وظيفة العقوبات. فقد بدأت أداةً لعكس الغزو، ثم أصبحت وسيلة لضمان نزع أسلحة الدمار الشامل، وتعويض الكويت، ومنع إعادة بناء القوة العسكرية العراقية.
على الرغم من أن الإطار القانوني للعقوبات حدّد شروطًا مرتبطة بامتثال العراق لقرارات مجلس الأمن، ولا سيما متطلبات نزع أسلحة الدمار الشامل الواردة في القرار 687، فإن الخطاب السياسي الأميركي خلال التسعينيات جعل أفق رفع العقوبات أقل وضوحًا. ففي مارس 1997 أعلنت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت أن واشنطن لا توافق على الرأي القائل إن تنفيذ العراق التزاماته المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل يكفي وحده لرفع العقوبات، وربطت أي تحول جوهري في السياسة الأميركية بإثبات العراق نواياه السلمية والامتثال لمجمل قرارات مجلس الأمن، مع التشكيك صراحة في إمكان حدوث ذلك في ظل حكم صدام حسين. وأدى هذا التداخل بين متطلبات الامتثال الأممية والهدف السياسي الأميركي المتزايد المتمثل في تغيير سلوك النظام ثم تغييره نفسه إلى تعزيز اعتقاد بغداد وبعض الأطراف الدولية بأن الامتثال الفني لمتطلبات نزع السلاح قد لا يكون كافيًا، في حد ذاته، لإنهاء نظام العقوبات[19].
2 ـ شمولية العقوبات
كانت عقوبات العراق من أكثر نظم العقوبات شمولًا في التاريخ الحديث. فقد فرضت قيودًا واسعة على التجارة والاستيراد والتصدير والتحويلات المالية، في اقتصاد كان يعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط وعلى استيراد الغذاء والدواء والمعدات الصناعية.
صحيح أن القرارات تضمنت استثناءات إنسانية للأدوية وبعض المواد الغذائية، لكن تطبيقها خضع لإجراءات موافقة معقدة، كما مُنعت مواد كثيرة أو تأخرت بدعوى إمكان استخدامها استخدامًا مزدوجًا مدنيًا وعسكريًا.
وبسبب تضرر البنية التحتية من الحرب، لم يكن توفير الأدوية وحده كافيًا لإعادة النظام الصحي إلى العمل؛ إذ احتاجت المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء إلى معدات وقطع غيار ومواد كيميائية كانت بعضُها خاضعةً للرقابة أو الحظر.
3 ـ أثرها في الدولة والمجتمع
ساهمت العقوبات، إلى جانب دمار الحرب وسوء الإدارة الحكومية، في انهيار قيمة العملة العراقية، وتراجع الأجور، واتساع الفقر والاقتصاد غير الرسمي، وتدهور التعليم والصحة والخدمات العامة.
لكن تحديد المسؤولية النسبية عن الكارثة الإنسانية يتطلب الحذر. فقد حملت الحكومة العراقية مسؤولية كبيرة بسبب أولويات الإنفاق، وسياسات التوزيع، واحتكار الموارد، واستخدام معاناة السكان سياسيًا. وفي المقابل، لم يكن ممكنًا فصل التدهور عن طبيعة العقوبات الشاملة التي قيدت قدرة الاقتصاد على استيراد الاحتياجات الأساسية وإصلاح البنية التحتية.
ومن ثم، لا يصح تفسير الأزمة بكونها نتيجة العقوبات وحدها، كما لا يصح إعفاء نظام العقوبات من آثارها وتحميل النظام العراقي المسؤولية كاملة. لقد تفاعلت حرب مدمرة، وحكم استبدادي، وعقوبات طويلة، وقيود على الاستيراد، وتراجع الإيرادات لإنتاج انهيار اجتماعي واسع.
رابعًا: الجدل حول الوفيات والعقوبات
أصبحت أعداد وفيات الأطفال واحدة من أكثر قضايا العقوبات إثارة للجدل. فقد أشارت مسوحات مدعومة من اليونيسف في أواخر التسعينيات إلى ارتفاع كبير في معدلات وفيات الرضع والأطفال دون الخامسة في وسط العراق وجنوبه مقارنة بسنوات ما قبل العقوبات. ووردت هذه النتائج في دراسات منشورة وتقارير دولية استُخدمت لاحقًا لتقدير أعداد كبيرة من الوفيات الزائدة[20].
غير أن أبحاثًا ديمغرافية لاحقة أعادت فحص البيانات، وذهبت إلى أن النظام العراقي ربما تلاعب بجزء من المسح. لكن التشكيك في ذلك الرقم لا ينفي وجود أزمة إنسانية قاسية. فالمؤشرات المتعلقة بسوء التغذية، وتدهور المياه والصرف الصحي، وانخفاض القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات الصحية، كانت موثقة على نطاق واسع.
الموقف العلمي الأدق هو أن العراق شهد تدهورًا صحيًا واجتماعيًا كبيرًا خلال التسعينيات، وأن العقوبات كانت عاملًا مهمًا فيه، إلى جانب آثار الحرب وسياسات النظام العراقي.
خامسًا: برنامج النفط مقابل الغذاء
1 ـ نشأة البرنامج
مع اتساع الأزمة الإنسانية، أصدر مجلس الأمن القرار 986 في أبريل 1995، الذي سمح للعراق ببيع كمية محدودة من النفط تحت إشراف الأمم المتحدة، واستخدام العائدات لشراء الغذاء والدواء والاحتياجات المدنية.
بدأ التنفيذ الفعلي للبرنامج في ديسمبر 1996، بعد مفاوضات طويلة بين العراق والأمم المتحدة. وكانت الإيرادات تُودع في حساب دولي، ثم يخصص جزء منها للمساعدات الإنسانية، وجزء للتعويضات، وجزء لتغطية تكاليف الأمم المتحدة والتفتيش.
2ـ تخفيف المعاناة لا إنهاء الأزمة
ساعد البرنامج على زيادة توافر الغذاء والدواء وتحسين بعض المؤشرات الإنسانية، لكنه لم يكن بديلًا عن اقتصاد طبيعي قادر على الاستثمار والإنتاج وإعادة البناء.
فقد تحول معظم السكان إلى الاعتماد على نظام الحصص الغذائية، وأصبحت الدولة تدير توزيع الاحتياجات الأساسية ضمن اقتصاد محاصر. وأسهم ذلك في تعزيز سيطرة النظام على المجتمع؛ لأن الوصول إلى الغذاء والسلع أصبح مرتبطًا بشبكة توزيع حكومية مركزية.
وهكذا حقق البرنامج مفارقة سياسية: خفف جزءًا من معاناة السكان، لكنه ساعد النظام في الوقت نفسه على إعادة بناء آليات السيطرة الاجتماعية، ولم ينهِ الأسباب البنيوية للأزمة.
3 ـ الفساد وسوء الإدارة
كشفت التحقيقات اللاحقة عن فساد وعمولات غير مشروعة وتلاعب بعقود النفط والسلع، شاركت فيه جهات عراقية وشركات ووسطاء من دول متعددة.
ولا يعني ذلك أن البرنامج كله كان فاشلًا؛ فقد وفر الغذاء والدواء لملايين العراقيين. لكنه أظهر صعوبة إدارة اقتصاد دولة كاملة عبر نظام دولي للعقوبات والاستثناءات والموافقات البيروقراطية.
سادسًا: مناطق حظر الطيران
1 ـ المنطقة الشمالية
بعد قمع الانتفاضة الكردية في شمال العراق في ربيع 1991، نشأت واحدة من أكبر أزمات النزوح في المنطقة؛ إذ فر أكثر من مليون عراقي، معظمهم من الأكراد، باتجاه إيران وتركيا، فيما تجمع مئات الآلاف في المناطق الجبلية والحدودية في ظروف إنسانية بالغة القسوة. وفي أبريل 1991 أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية “توفير الراحة” (Operation Provide Comfort)، التي بدأت بإسقاط المساعدات الإنسانية ثم توسعت لتشمل نشر قوات برية وإنشاء منطقة آمنة في شمال العراق. وتطورت المهمة لاحقًا إلى إنفاذ منطقة حظر للطيران العراقي شمال خط العرض 36. وفي 1 يناير 1997 انتهت “توفير الراحة” وحلت محلها عملية “المراقبة الشمالية” (Operation Northern Watch)، التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا بالتعاون مع تركيا، واستمرت في مراقبة منطقة الحظر الجوي حتى حرب العراق عام 2003، وانتهت رسميًا في 1 مايو من ذلك العام[21].
أسهمت الحماية الجوية في منع بغداد من استعادة سيطرتها العسكرية الكاملة على إقليم كردستان، ووفرت بيئة سمحت بتطور حكم ذاتي كردي فعلي. لكنها جعلت شمال العراق أيضًا منطقة محمية بقوة أجنبية، خارج سيطرة الحكومة المركزية ومتصلة بالتوازنات الأميركية ـ التركية ـ الكردية.
2 ـ المنطقة الجنوبية
في أغسطس 1992 أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا منطقة حظر طيران جنوب خط العرض 32، ثم توسعت سنة 1996 إلى خط العرض 33. وكان الهدف المعلن منع القوات العراقية من استخدام الطيران ضد السكان في الجنوب ومراقبة امتثال العراق للقرارات الدولية.
غير أن المنطقة الجنوبية لم تمنع النظام العراقي من استخدام القوات البرية وأجهزة الأمن في قمع السكان. ولهذا كانت قدرتها الإنسانية أقل وضوحًا من أثر المنطقة الشمالية، حيث ترافقت الحماية الجوية مع انسحاب فعلي للإدارة العراقية من أجزاء واسعة من كردستان.
3 ـ الأساس القانوني المتنازع عليه
لم يصدر قرار من مجلس الأمن ينص صراحة على إنشاء منطقتي حظر الطيران. استندت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى القرار 688، الذي أدان قمع المدنيين وطالب العراق بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية، وإلى صلاحيات أوسع قيل إنها مستمدة من ترتيبات وقف إطلاق النار.
لكن العراق وروسيا والصين وعددًا من فقهاء القانون الدولي رأوا أن القرار 688 لم يفوض استخدام القوة أو إقامة مناطق حظر جوي. ولذلك بقيت شرعية العمليات محل خلاف[22].
تكشف هذه المسألة اتساع الفجوة بين الشرعية السياسية والشرعية القانونية. فقد كان منع القمع هدفًا يمكن الدفاع عنه إنسانيًا، لكن الوسيلة العسكرية لم تستند إلى تفويض صريح مماثل للتفويض الذي صدر لتحرير الكويت.
سابعًا: الحرب الجوية المنخفضة الحدة
لم تكن مناطق الحظر مجرد خطوط تُراقب من الجو. فقد تعرضت الطائرات الأميركية والبريطانية لإطلاق النار من الدفاعات العراقية، وردت بقصف الرادارات وبطاريات الصواريخ ومراكز القيادة.
وبذلك استمرت الحرب بصورة متقطعة طوال التسعينيات. لم تكن هناك جبهة معلنة أو إعلان حرب جديد، لكن الطائرات نفذت آلاف الطلعات، ووقعت ضربات متكررة، وأصبح استخدام القوة جزءًا روتينيًا من إدارة العراق.
تكمن أهمية هذه المرحلة في أنها أزالت الحد الفاصل بين السلم والحرب. لم يكن العراق في سلام كامل، ولم تكن هناك حرب شاملة، بل حالة “إكراه عسكري دائم” تجمع العقوبات والتفتيش والقصف الدوري والتهديد بتوسيع العمليات.
كما أن استمرار الطلعات تطلّب استخدام قواعد ومطارات ومراكز قيادة في السعودية والكويت والبحرين وتركيا، وهو ما رسخ الوجود الأجنبي ووفر مبررًا عملياتيًا لبقائه.
ثامنًا: الأزمات العسكرية المتكررة
1ـ ضربات يناير 1993
في يناير 1993 نفذت الولايات المتحدة وحلفاؤها ضربات ضد مواقع عراقية، ردًا على تحركات عسكرية وانتهاكات مزعومة لمناطق الحظر وعرقلة فرق التفتيش.
مثلت تلك الضربات بداية نمط جديد: لم تعد القوة تُستخدم فقط لرد غزو خارجي، بل لفرض الامتثال داخل العراق وضبط سلوكه بصورة مستمرة.
2 ـ محاولة اغتيال جورج بوش الأب
في يونيو 1993 أطلقت الولايات المتحدة صواريخ كروز على مقر الاستخبارات العراقية في بغداد، بعد اتهام النظام العراقي بالتخطيط لاغتيال الرئيس السابق جورج بوش خلال زيارته الكويت.
قدمت واشنطن الضربة بوصفها دفاعًا عن النفس وردًا على محاولة إرهابية، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن العراق سيظل عرضة للعقاب العسكري خارج إطار مناطق الحظر متى رأت الولايات المتحدة أنه يهدد مصالحها.
3 ـ أزمة سنة 1994
في أكتوبر 1994 حرك العراق قوات باتجاه الحدود الكويتية، ما أثار مخاوف من تكرار سيناريو الغزو. ردّت الولايات المتحدة بنشر قوات وطائرات إضافية ضمن عملية “المحارب اليقظ”، فتراجعت القوات العراقية.
نجحت عملية التعزيز في الردع من دون حرب واسعة، لكنها أكدت أن أمن الكويت ظل مرتبطًا بالقدرة الأميركية على إعادة نشر القوات بسرعة.
4 ـ أزمة كردستان سنة 1996
في أغسطس 1996 تدخلت القوات العراقية في أربيل إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني ضد الاتحاد الوطني الكردستاني، في سياق الصراع الأهلي الكردي والتنافس الإقليمي.
ردّت الولايات المتحدة بعملية “ضربة الصحراء” التي استهدفت مواقع دفاع جوي في جنوب العراق، ووسعت منطقة الحظر الجنوبية. لكن الرد لم يُخرج القوات العراقية مباشرة من أربيل، وكشف محدودية قدرة الحماية الخارجية على إدارة الصراعات الداخلية المعقدة.
تاسعًا: أزمة التفتيش وعملية “ثعلب الصحراء“
1ـ تآكل التعاون مع المفتشين
شهدت السنوات التي أعقبت الحرب سلسلة من الأزمات بين العراق ولجنة الأمم المتحدة الخاصة. فقد أخفى العراق أجزاء من برامجه، وقدّم إقرارات ناقصة، ومنع أو أخّر دخول المفتشين إلى مواقع معينة.
في المقابل، تصاعدت الاتهامات العراقية بأن بعض المفتشين قدموا معلومات استخباراتية للولايات المتحدة، وأن التفتيش تحوّل من نزع السلاح إلى مراقبة النظام والتحضير لاستهدافه.
أضعفت هذه الاتهامات صدقية نظام التفتيش، حتى مع ثبوت أن العراق كان قد مارس الخداع والإخفاء في مراحل متعددة.
2 ـ أزمة القصور الرئاسية
تركز الخلاف في أواخر التسعينيات على دخول المفتشين إلى المواقع والقصور الرئاسية، التي اعتبرها العراق رموزًا للسيادة، بينما رأت اللجنة أنها قد تستخدم لإخفاء وثائق ومعدات.
توصل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في فبراير 1998 إلى تفاهم مع بغداد سمح بتفتيش المواقع ضمن ترتيبات خاصة، فتأجّلت ضربة عسكرية كانت واشنطن ولندن تستعدان لها. لكن التفاهم انهار لاحقًا، واستمرت الخلافات حول الوثائق والوصول والتعاون.
3 ـ انسحاب المفتشين والقصف
في ديسمبر 1998 رفع رئيس اللجنة ريتشارد بتلر تقريرًا قال فيه إن العراق لم يقدم التعاون المطلوب. وغادر المفتشون العراق قبيل بدء عملية “ثعلب الصحراء”، التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا بين 16 و19 ديسمبر من العام نفسه.[23]
استهدفت العملية مواقع مرتبطة، زعمًا، بأسلحة الدمار الشامل، ومراكز قيادة، ودفاعات جوية، ووحدات عسكرية، بهدف معلن هو إضعاف قدرة العراق على إنتاج الأسلحة وتهديد جيرانه.
4 ـ شرعية العملية وفاعليتها
لم تحصل عملية “ثعلب الصحراء” على تفويض جديد وصريح من مجلس الأمن. استندت واشنطن ولندن إلى القرارات السابقة وخرق العراق التزاماته، بينما رفضت روسيا والصين وفرنسا تفسير تلك القرارات على أنها تفويض تلقائي باستخدام القوة.
ومن الناحية العسكرية، ألحقت العملية أضرارًا بعدد من المواقع، لكنها لم تُسقط النظام أو تحل أزمة التفتيش، بل غادر المفتشون العراق، ولم تعد الرقابة الدولية الفعلية إلا في أواخر سنة 2002.
كما أدى القصف إلى قرار العراق عدم الاعتراف بمناطق الحظر، وتصاعدت المواجهات اليومية تقريبًا مع الطائرات الأميركية والبريطانية. وتحولت مناطق الحظر بعد ديسمبر 1998 إلى مسرح قصف متبادل منخفض الحدة استمر حتى سنة 2003.
عاشرًا: من احتواء النظام إلى العمل على تغييره
1 ـ تآكل الثقة في الاحتواء
بحلول نهاية التسعينيات، كان الاحتواء يواجه أزمة من اتجاهين متعارضين. من جهة، رأى منتقدو العقوبات أن السياسة تدمر المجتمع العراقي من دون أن تسقط النظام أو تغير سلوكه. ومن جهة أخرى، رأى المحافظون في الولايات المتحدة أن العقوبات ومناطق الحظر لا تمنع صدام حسين من البقاء في السلطة وإعادة بناء قدراته على المدى الطويل. وهكذا تعرضت السياسة للنقد لأنها كانت شديدة القسوة على السكان، وفي الوقت نفسه غير حاسمة تجاه النظام.
2 ـ قانون تحرير العراق
في أكتوبر 1998 أقر الكونغرس الأميركي “قانون تحرير العراق”، الذي جعل دعم الخطط الرامية إلى إزالة نظام صدام حسين سياسة رسمية للولايات المتحدة، وسمح بتقديم مساعدات للمعارضة العراقية[24]. وقد مثّل القانون انتقالًا سياسيًا من احتواء النظام إلى إعلان الرغبة في تغييره، وإن لم يؤدِ فورًا إلى قرار بغزو العراق.
كانت إدارة كلينتون لا تزال مترددة في استخدام قوات برية واسعة، واعتمدت على العقوبات والضربات الجوية ودعم محدود للمعارضة. لكن القانون وفّر أساسًا سياسيًا سيستند إليه لاحقًا دعاة الحرب في إدارة جورج بوش الابن.
حادي عشر: الوجود العسكري في السعودية وتداعياته
1 ـ استمرار المهمة بعد التحرير
بقيت قوات أميركية في السعودية بعد سنة 1991، ولا سيما لتنفيذ عمليات حظر الطيران جنوب العراق، وتشغيل الطائرات ومراكز القيادة والدفاع الجوي. كان الوجود أقل حجمًا من حشد “عاصفة الصحراء”، لكنّه لم يعد وجودًا مؤقتًا مرتبطًا بتحرير الكويت، بل جزءًا من سياسة احتواء طويلة الأمد.
2 ـ تفجير الخبر سنة 1996
في 25 يونيو 1996 استهدف تفجير مجمع أبراج الخبر في الظهران، حيث كان يقيم عسكريون أميركيون، وأدى إلى مقتل تسعة عشر أميركيًا وإصابة مئات الأشخاص.
دفع الهجوم الولايات المتحدة إلى نقل جزء كبير من قواتها إلى قاعدة الأمير سلطان، حيث أمكن توفير حماية أكبر، وأسهم في زيادة التحصين والعزلة بين القوات الأجنبية والمجتمع المحلي.
وبغض النظر عن الخلافات المتعلقة بالجهة المسؤولة، أظهر التفجير أن القواعد التي أُنشئت للحماية يمكن أن تتحول إلى أهداف تستجلب العنف إلى الدولة المضيفة.
3 ـ خطاب القاعدة
جعل أسامة بن لادن الوجود الأميركي في السعودية أحد محاور خطابه ضد النظام السعودي والولايات المتحدة. واعتبر بقاء القوات بعد خروج الجيش العراقي من الكويت دليلًا على أن هدف واشنطن يتجاوز المهمة الدفاعية المؤقتة.
لا يمكن اختزال نشأة القاعدة في هذا العامل؛ فقد ارتبطت بالتجربة الأفغانية، والجهاد العابر للحدود، وأزمات داخلية وإقليمية متعددة. لكن الوجود العسكري قدم للتنظيم رمزًا تعبويًا قويًا يجمع بين الدين والسيادة والسياسة الخارجية.
وهكذا أصبحت الحماية الخارجية، التي وفرت للدولة ضمانة ضد الغزو، مصدرًا لتحدٍّ أمني داخلي من نوع مختلف.
ثاني عشر: أثر العقوبات والاحتواء في تماسك الدولة العراقية
1 ـ إضعاف المجتمع لا النظام وحده
رغم أن العقوبات هدفت إلى الضغط على النظام، فقد امتلكت السلطة العراقية أدوات لحماية النخبة الحاكمة وتحويل الموارد نحو أجهزتها الأمنية والعسكرية، بينما تحمل المواطنون الجزء الأكبر من الانهيار الاقتصادي.
ضعفت الطبقة الوسطى، وهاجر عدد كبير من العلماء والأطباء والمهندسين، وتدهورت الجامعات والمؤسسات المهنية، واتسعت شبكات السوق السوداء والتهريب والمحسوبية.
وساهمت هذه التحولات في تآكل البنية الاجتماعية والمؤسسية للدولة قبل سنة 2003، وهو ما جعل المجتمع أقل قدرة على تحمل الصدمة اللاحقة للاحتلال وانهيار المؤسسات.
2 ـ تعزيز اقتصاد التهريب
دفعت العقوبات العراق إلى تطوير شبكات لتهريب النفط والسلع عبر تركيا والأردن وإيران والخليج، أحيانًا بتفاهمات ضمنية مع دول مجاورة. وقد أتاحت هذه الشبكات للنظام الحصول على موارد خارج الرقابة الدولية، لكنها عمقت الفساد وربطت الاقتصاد بقنوات غير رسمية وأجهزة أمنية ووسطاء.
3 ـ تفكك السيادة الفعلية
خلال التسعينيات كان العراق دولة ذات سيادة قانونية، لكنه افتقر إلى السيطرة الكاملة على أجوائه وحدوده وموارده وبرامجه العسكرية. فشمال البلاد أصبح منطقة حكم ذاتي محمية جويًا، والجنوب خضع للمراقبة والقصف، والاقتصاد خضع للعقوبات، والنفط لإدارة دولية جزئية، والحدود الكويتية لبعثة مراقبة أممية، وبرامج التسلح للتفتيش الخارجي.
يمكن وصف هذه الحالة بأنها “سيادة مجزأة”: بقي النظام قائمًا في بغداد، لكنه عمل داخل دولة قسمت وظائف السيادة فيها بين السلطة العراقية والأمم المتحدة والقوات الأميركية ـ البريطانية والسلطات الكردية.
ثالث عشر: الاحتواء وأمن دول الخليج
1 ـ الردع الناجح
من منظور دول مجلس التعاون، حقق الاحتواء نتيجة أساسية: لم يعد العراق قادرًا على غزو الكويت أو السعودية، ولم تدخل إيران في حرب تقليدية مباشرة معها.
وفرت القواعد والتخزين المسبق والطائرات والأساطيل قدرة ردع واضحة، وأصبح أي هجوم واسع على دولة خليجية يعني مواجهة فورية مع الولايات المتحدة.
2 ـ نقل مركز الأمن إلى الخارج
لكن هذا النجاح جاء على حساب تطوير نظام خليجي مستقل. فقد أصبحت خطط الدفاع والإنذار والاستجابة مرتبطة بالقيادة المركزية الأميركية، لا بقيادة خليجية موحدة.
كما أن احتواء العراق وإيران معًا جعل الدول الخليجية تعتمد على استمرار العداء الأميركي لهما؛ لأن أي انسحاب مفاجئ كان سيترك فراغًا لا تستطيع القدرات المحلية ملأه بسرعة.
3 ـ تبعية تشغيلية لا مجرد تحالف سياسي
لم تقتصر العلاقة على التزام أميركي سياسي بالدفاع عن الدول، بل شملت اعتمادًا على أنظمة التسليح، والصيانة، والذخائر، والاتصالات، والتدريب، والاستطلاع، والدفاع الصاروخي. وهكذا، أصبح الاستقلال الدفاعي أقل من حجم الإنفاق العسكري؛ إذ يمكن شراء الطائرات والمنظومات، لكن تشغيلها بكفاءة في حرب واسعة يتطلب شبكة الدعم الغربية.
4 ـ الخلاف داخل مجلس التعاون
لم تتفق دول المجلس دائمًا على درجة التهديد الإيراني أو العراقي. فقد كانت الكويت والسعودية أكثر حساسية تجاه العراق، بينما حافظت عُمان وقطر والإمارات بدرجات مختلفة على علاقات مع إيران.
أدى ذلك إلى تفضيل كل دولة علاقات دفاعية ثنائية خاصة بها، بدل تفويض مجلس التعاون ببناء سياسة موحدة. وهكذا عززت القواعد الأجنبية الأمن الفردي لكل دولة، لكنها أضعفت الحافز نحو دفاع جماعي كامل.
***
في التقييم الاجمالي لسياسة الاحتواء المزدوج، وبدءًا بالنجاحات، يمكن القول بأن السياسة تلك نجحت في منع العراق من تكرار غزو الكويت وحدّت من قدرته على إعادة بناء قواته التقليدية وبرامجه غير التقليدية، كما حمت مناطق واسعة من كردستان من استعادة السيطرة العسكرية الكاملة للنظام، ووفرت ردعًا خارجيًا لدول الخليج، وأبقت صادرات النفط والممرات البحرية تحت حماية عسكرية مستمرة.
في المقابل، وعلى مستوى الاخفاقات، فقد ألحقت العقوبات أضرارًا واسعة بالمجتمع العراقي، من دون أن تؤدي إلى إسقاط النظام، كما أضعفت مؤسسات الدولة والمجتمع أكثر مما أضعفت الحلقة الحاكمة، وحولت الخليج إلى منطقة قواعد وعمليات عسكرية دائمة، ووسّعت العداء الشعبي للولايات المتحدة. في الوقت نفسه، لم تقدم مسارًا واضحًا لعودة العراق إلى النظام الإقليمي، بل دفعت إيران إلى الاعتقاد بأن واشنطن تستهدف عزلها وتغيير نظامها، وجعلت استمرار التوتر شرطًا لاستمرار النظام الأمني نفسه.
مفارقة نجاح الاحتواء
كان الاحتواء ناجحًا بالمعنى الضيق: منع العراق من مهاجمة جيرانه وأبقى إيران تحت الضغط. لكنه أخفق بالمعنى الاستراتيجي الأوسع؛ إذ لم يحول الردع إلى سلام، ولم يحول العقوبات إلى تسوية، ولم يحول القواعد إلى قدرة خليجية مستقلة.
وبمرور الوقت، أصبح بقاء النظام العراقي دليلًا لدى دعاة الحرب على فشل الاحتواء، بينما أصبحت معاناة المجتمع دليلًا لدى معارضي الحرب على عدم مشروعية استمراره.
وهكذا أنتجت السياسة حجتين متعارضتين تقودان إلى النتيجة نفسها: ضرورة إنهاء الوضع القائم، لكن الخلاف كان حول الطريقة؛ هل عبر رفع العقوبات والتسوية والرقابة المحددة، أم عبر إسقاط النظام بالقوة؟
وفي الخلاصات، بين سنتي 1991 و2003 نشأ في الخليج نظام لا هو حرب كاملة ولا هو سلام مستقر. كان العراق محاصرًا ومراقبًا ومقصفًا بصورة دورية، وكانت إيران معزولة نسبيًا، وكانت دول الخليج محمية بقواعد واتفاقيات أجنبية.
قدمت سياسة الاحتواء المزدوج للولايات المتحدة قدرة غير مسبوقة على التحكم في موازين القوة الخليجية، لكنها جعلتها أيضًا مسؤولة مباشرة عن إدارة الأزمات اليومية للإقليم.
وأدّت العقوبات إلى إضعاف القدرة العسكرية العراقية، لكنها ألحقت بالمجتمع والدولة أضرارًا عميقة، وأثارت أزمة أخلاقية وقانونية حول معاقبة السكان بسبب سياسات النظام. أما مناطق حظر الطيران فقد وفرت حماية مهمة للأكراد وقيّدت القوة العراقية، لكنها كرست تجزئة السيادة واستمرار الحرب الجوية من دون تفويض دولي صريح.
وكانت النتيجة النهائية أن الأمن الخليجي أصبح أكثر اعتمادًا على الخارج، بينما أصبح العراق أضعف دولةً ومجتمعًا، من دون أن يصبح نظامه أكثر استعدادًا للتسوية.
وعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، كانت البنية العسكرية والسياسية اللازمة لشن حرب جديدة موجودة بالفعل: قواعد في الخليج، وقوات منتشرة، وخطط عملياتية، وعراق خاضع للعقوبات، وخطاب أميركي انتقل تدريجيًا من احتواء التهديد إلى إزالته.
- وحدة أبحاث طوى
The post دراسة: التدخلات الأجنبية وأزمة بناء نظام أمني إقليمي مستقل .. الخليج بين الحماية والتدويل appeared first on قناة نبأ الفضائية.


