صفقة ترامب النووية مع “السعودية” تحت المجهر: تحذيرات من مخاطر إقليمية ودولية
حذّرت مجلة The Economist البريطانية من أن الاتفاق النووي الذي أعلنته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع “السعودية” لا يمثل مجرد صفقة تعاون في مجال الطاقة، بل قد يشكّل تحوّلاً خطيراً في قواعد منع الانتشار النووي التي استند إليها النظام الدولي لعقود، بما قد ينعكس على أمن الشرق الأوسط والعالم بأسره. وفي افتتاحية نشرتها المجلة، اعتبرت أن الاتفاق المطروح مع “السعودية” يبتعد بشكل واضح عن المعايير التي اعتمدتها واشنطن سابقاً في اتفاقيات التعاون النووي مع حلفائها، مشيرة إلى أن المقارنة مع الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة مع الإمارات عام 2009 تكشف حجم، ما أسمته، التنازلات المقدمة للرياض. وهو الامر الذي يُعيدنا إلى “الكلفة” التي زعم دونالد ترامب انه يستم دفعها من فاتورة القضية الفلسطينية؛ حين كتب على منصة “تروث سوشال” أن استكمال هذه الاتفاقية سيكون من خلال انضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام. ففي حين وافقت الإمارات آنذاك على التخلي نهائياً عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، كما قبلت الخضوع للبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية وما يتضمنه من إجراءات رقابية مشددة، فإن الاتفاق الجديد لا يفرض على “السعودية” التزامات مماثلة. وذهبت المجلة إلى حد القول إن الاتفاق لا يرقى حتى إلى مستوى “المعيار البرونزي”، بعدما اعتُبر الاتفاق الإماراتي لسنوات “المعيار الذهبي” في التعاون النووي المدني. وبحسب ما أوردته المجلة، فإن الصيغة المطروحة لا تلزم الرياض بالتخلي عن خيار تخصيب اليورانيوم، بل تنص على إجراء دراسة مشتركة لمدة عامين لتحديد ما إذا كانت “السعودية” بحاجة إلى هذه القدرة. وإذا خلصت الدراسة إلى وجود حاجة لذلك، فقد تقوم الولايات المتحدة نفسها ببناء منشأة للتخصيب على الأراضي السعودية، وهو ما تعتبره المجلة تطوراً غير مسبوق في سياسة واشنطن تجاه انتشار التقنيات النووية الحساسة. ورغم تأكيد إدارة ترامب أن أي برنامج نووي سعودي سيخضع لإجراءات رقابية، تشير المجلة إلى أن الرياض لن تكون ملزمة بالانضمام إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يثير تساؤلات حول مستوى الشفافية والرقابة الدولية التي ستخضع لها الأنشطة النووية المستقبلية. وترى الإيكونوميست أن الخطر لا يقتصر على “السعودية” وحدها، بل يمتد إلى النظام العالمي لمنع الانتشار النووي. فمنذ توقيع معاهدة عدم الانتشار النووي عام 1968، نجحت المنظومة الدولية إلى حد كبير في الحد من عدد الدول المالكة للأسلحة النووية، غير أن منح استثناءات لدول حليفة للولايات المتحدة قد يشجع دولاً أخرى على المطالبة بالمعاملة نفسها، ما يهدد بتآكل أحد أهم أركان الأمن الدولي. وتلفت المجلة إلى أن القلق يتضاعف بالنظر إلى الطبيعة طويلة الأمد لمثل هذه الاتفاقات. فبينما ينظر البعض إلى “السعودية” باعتبارها حليفاً مستقراً للولايات المتحدة منذ عقود، تذكر المجلة بأن الحكومات والأنظمة السياسية تتغير، وأن أحداً لا يستطيع الجزم بمن سيسيطر على هذه القدرات النووية بعد سنوات أو عقود. كما تشير إلى أن تاريخ المملكة ارتبط لفترات طويلة بنشر الأفكار المتشددة، الأمر الذي يجعل مسألة نقل تقنيات نووية حساسة إليها موضع جدل متزايد. وتستحضر المجلة تصريحات سابقة لمحمد بن سلمان، قال فيها إن “السعودية” ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا نجحت إيران في تطوير سلاح مماثل. وترى أن هذه التصريحات تجعل من الصعب فصل الطموحات النووية السعودية عن الحسابات العسكرية والاستراتيجية في المنطقة، حتى لو جرى تقديم المشروع حالياً بوصفه برنامجاً للطاقة المدنية. كما تحذر المجلة من التداعيات الإقليمية المحتملة للاتفاق، مشيرة إلى أن إيران قد تجد نفسها أقل استعداداً للتخلي عن قدرات التخصيب التي تطالبها واشنطن بالتخلي عنها، إذا كانت الولايات المتحدة تسمح لحليفها السعودي بالاحتفاظ بخيار مماثل. كذلك قد تنظر دول أخرى في المنطقة إلى الاتفاق باعتباره مؤشراً على إمكانية السعي للحصول على قدرات نووية متقدمة، الأمر الذي قد يدفع نحو سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط. ولا تستبعد المجلة أن يثير الاتفاق استياءً لدى الإمارات أيضاً، بعدما التزمت بقيود صارمة للحصول على التعاون النووي الأمريكي، في حين يبدو أن “السعودية” تحصل على شروط أكثر مرونة رغم كونها المنافس الإقليمي الأبرز لأبوظبي. وفي قراءتها للدوافع السياسية وراء الاتفاق، ترى الإيكونوميست أن الإعلان عنه في هذا التوقيت لا يرتبط فقط باحتياجات “السعودية” في مجال الطاقة، بل يعكس أيضاً رغبة إدارة ترامب في تعزيز علاقاتها مع الرياض ومواجهة محاولات كل من الصين وروسيا توسيع نفوذهما في الخليج. كما تلمح المجلة إلى أن الاتفاق قد يمثل محاولة لاحتواء التوترات التي برزت بين واشنطن والرياض على خلفية التطورات الإقليمية الأخيرة.


