باستخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية و شروط الاستخدام .
Accept
قطيفيونقطيفيونقطيفيون
  • الرئيسية
  • عاجل
  • قطيفيون
  • عناوين الصحف
  • الكتب الإلكترونية
  • الفيديو
  • شهداؤنا
  • من ذاكرة التاريخ
  • منصات الأخبار
  • تواصل معنا
Reading: إيران بعد الحرب .. السعودية بين تقاسم النفوذ أو الجمود على الماضي
Share
Notification Show More
Font ResizerAa
قطيفيونقطيفيون
Font ResizerAa
  • الرئيسية
  • عاجل
  • قطيفيون
  • عناوين الصحف
  • الكتب الإلكترونية
  • الفيديو
  • شهداؤنا
  • من ذاكرة التاريخ
  • منصات الأخبار
  • تواصل معنا
  • الرئيسية
  • عاجل
  • قطيفيون
  • عناوين الصحف
  • الكتب الإلكترونية
  • الفيديو
  • شهداؤنا
  • من ذاكرة التاريخ
  • منصات الأخبار
  • تواصل معنا
Have an existing account? Sign In
عاجل

إيران بعد الحرب .. السعودية بين تقاسم النفوذ أو الجمود على الماضي

قطيفيون
Last updated: يونيو 30, 2026 9:16 م
قطيفيون
4 ساعات ago
Share
SHARE

في مقالة استراتيجية جريئة نُشرت في مجلة فورين بوليسي بعنوان “إيران هي هزيمة أكبر من فيتنام” كتبها بول موسغريف، أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة جورجتاون في قطر، تنطلق من أطروحة صادمة: أن الحرب الأمريكية على إيران لا تمثل مجرد انتكاسة عسكرية أو دبلوماسية، بل هزيمة استراتيجية قد تكون أخطر على مكانة الولايات المتحدة العالمية من هزيمة فيتنام نفسها.

محتويات
  • البيان الخليجي الأميركي.. العودة إلى الوراء!
  • أولاً: تثبيت مبدأ “احتواء إيران مقابل إدماجها المشروط”
  • ثانياً: الانتقال من سياسة تغيير الأنظمة إلى سياسة نزع القدرات العسكرية غير الحكومية
  • ثالثاً: إدراج لبنان ضمن مسار التسويات الإقليمية الكبرى
  • رابعاً: تكريس دور خليجي مباشر في إعادة تشكيل غزة
  • خامساً: إعادة تعريف موقع العراق الإقليمي
  • سادساً: عودة واضحة للمظلة الأمنية الأميركية
  • أولاً: قبول التسوية مع رفض النظام الإقليمي الناتج عنها
  • ثانياً: محاولة قلب سردية الحرب
  • ثالثاً: رفض العودة إلى مفهوم “الوكيل الإيراني”
  • رابعاً: استعادة مشروع الأمن الإقليمي بدون الولايات المتحدة

ويرى الكاتب أن المقارنة بفيتنام مضللة من حيث الحجم العسكري والخسائر البشرية، لكنها صحيحة من حيث التأثير التاريخي. بل إن هزيمة واشنطن أمام إيران – بحسب المقال – قد تكون أشد خطورة لأن الولايات المتحدة خسرت هذه الحرب في قلب منطقة تعد حيوية للنظام العالمي والطاقة والتوازنات الدولية، لا في ساحة بعيدة نسبياً مثل جنوب شرق آسيا.

فالحرب لم تؤدِ إلى إسقاط النظام الإيراني فحسب، بل أفضت إلى تآكل الثقة في قدرة الولايات المتحدة على فرض النتائج التي تعد بها، وأن إيران قد تخرج من الحرب أضعف عسكرياً ولكن أقوى جيواستراتيجياً. فمجرد صمودها ومنع واشنطن من تحقيق أهدافها الكاملة منحها موقفاً تفاوضياً ونفوذاً إقليمياً أكبر مما كان متوقعاً قبل الحرب.

أما انعكاسات الحرب على الخليج، فإن الخاسر الأكبر بعد الولايات المتحدة قد يكون النظام الأمني الخليجي الذي تأسس بعد 1991. فالحرب كشفت أن المظلة الأمريكية لم تعد قادرة على توفير الاستقرار الذي كانت توفره سابقاً. ونتيجة لذلك ستتجه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية وعدم الاعتماد على واشنطن وحدها، وهي فكرة تتقاطع أيضاً مع تحليلات أخرى تحدثت عن حدود القوة الأمريكية وصعود التعددية القطبية.

ويمكن تلخيص المقالة في الآتي: ليست الهزيمة الحقيقية هي خسارة معركة أو حرب، بل فقدان القدرة على تشكيل النظام الإقليمي الذي نشأت الحرب من أجل فرضه. فبينما أضعفت حرب فيتنام الولايات المتحدة نفسياً وسياسياً، وإن لم تُسقط النظام الدولي الذي كانت تقوده، فإن الحرب على إيران قد أدت إلى تسريع الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب، وإلى تراجع قدرة واشنطن على قيادة حلفائها وفرض ترتيبات الأمن الإقليمي، وإن آثارها التاريخية قد تكون أعمق من أثر فيتنام نفسها. وإذا كانت حرب الخليج الثانية عام 1991 قد دشنت عصر الهيمنة الأمريكية في الخليج، فإن حرب إيران 2026 قد تكون بداية عصر ما بعد الهيمنة[1].

ونقرأ تصريحات لافتة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول نتائج الحرب ومن أبرزها أن “الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على إقصاء إيران أو تجاهلها”، وأن “الهيكل الأمني الجديد للمنطقة يتطلب مشاركة جميع دول المنطقة وتعاونها”. ولفت إلى أن “دول المنطقة أدركت تدريجياً أن الأمن المستدام والتنمية والاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا من خلال التعاون”. يربط عراقجي ذلك بما وصفها “إنجازات استراتيجية مهمة” حققتها إيران وحكمت نفسها في “المعادلات الإقليمية والعالمية”[2].

ويمكن قراءة تصريحات الوزير عراقجي على ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى الخطاب الداخلي، ومستوى الرسائل الإقليمية، ومستوى التفاوض على النظام الإقليمي الذي قد ينشأ بعد الحرب.

أولاً: تثبيت رواية “الصمود“

فمع أن عراقجي لم يتحدث عن انتصار عسكري بقدر حديثه عن “الصمود” و “إفشال المخططات” و”التماسك الوطني”. وهذا اختيار مقصود. فعندما تتعرض دولة لحرب واسعة وتتكبد خسائر عسكرية واقتصادية، يصبح الهدف السياسي الأول هو إعادة تعريف معيار النجاح. وبدلاً من سؤال: هل انتصرت إيران عسكرياً؟ يصبح السؤال: هل نجح خصومها في تحقيق أهدافهم؟

ومن هذه الزاوية فإن رواية طهران تفيد بأن الولايات المتحدة و “إسرائيل” دخلتا الحرب بهدف إسقاط النظام أو في الحد الأدنى تغيير سلوكها جذرياً أو دفعها إلى الانهيار الداخلي، لكن إيران بقيت متماسكة واستمرت الدولة والنظام في العمل. وعليه، فإن مجرد البقاء والصمود يتحول إلى دليل على النجاح. هذه رواية تشبه إلى حد كبير ما تبنته دول وحركات عديدة عبر التاريخ عندما واجهت خصماً متفوقاً عسكرياً، كما في مثال حرب تموز 2006 وحرب أيلول 2024 على لبنان وحروب “إسرائيل” على قطاع غزة منذ 2007 وحتى 2023…

ثانياً: إعلان نهاية سياسة العزل

إن الجملة الأهم في تصريح عراقجي ليست حديثه عن الصمود، على أهميتها ومحوريتها في سردية النجاح، بل قوله: “الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على إقصاء إيران أو تجاهلها”. هذه العبارة هي جوهر الرسالة كلها. فإيران تحاول أن تقول إن الحرب أثبتت أن كل المشاريع التي قامت على تجاوزها أو تهميشها فشلت. بمعنى أن إيران لا تقدم نفسها هنا كقوة منتصرة فقط، بل كطرف لا غنى عنه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

إنها صياغة قريبة من المبدأ الذي تبنته طهران منذ سنوات: “يمكنكم الاختلاف معنا، لكن لا يمكنكم بناء نظام إقليمي من دوننا”. وهنا يتجاوز الجانب العسكري إلى البعد السياسي والدبلوماسي.

ثالثاً: رسالة مباشرة إلى دول الخليج

في تقديري، أن الخطاب موجه إلى العواصم الخليجية أكثر مما هو موجه إلى واشنطن. فحين يتحدث عراقجي عن “مشاركة جميع دول المنطقة”، فهو يطرح بديلاً عن النظام الأمني الذي تشكل بعد 1991، والذي اعتمد بصورة أساسية على المظلة الأمريكية. إيران هنا تروج لفكرة أن أمن الخليج يجب أن يُبنى من داخل المنطقة لا من خارجها، وأن دول الخليج وإيران ينبغي أن تكون أطرافاً متساوية في أي هيكل أمني جديد. وهذا ليس طرحاً جديداً، لكنه يكتسب زخماً أكبر بعد الحرب إذ كانت طهران تعتقد أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض ترتيبات إقليمية منفردة.

رابعاً: التمهيد لمفاوضات ما بعد الحرب

فالتصريحات تحمل أيضاً لغة تفاوضية واضحة، فإيران لا تكتفي بإعلان الصمود، بل تطرح تصوراً للنظام الإقليمي المقبل يرتكز على:

  • الأمن الجماعي.
  • مشاركة جميع الأطراف.
  • رفض الإقصاء.
  • التعاون الإقليمي.
  • تقليص الاعتماد على القوى الخارجية.

بكلمات أخرى، تحاول طهران الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التفاوض على قواعد ما بعد الحرب. وإن استخدام عراقجي مفردات مثل “التعاون” و”التنمية” و”الاستقرار” هي ترجمة مباشرة لسياسة “مد اليد” التي تبنتها طهران منذ عقود، وهنا يعكس محاولة لتقديم إيران نفسها بكونها شريكاً إقليمياً محتملاً.

هل ستقبل دول الخليج بهذه الرؤية؟

هنا تكمن المعضلة، فالكثير من دول الخليج قد تتفق مع الشق الأول من كلام عراقجي، أي أن إيران لا يمكن تجاهلها وأنها حقيقة جيوسياسية دائمة، لكنها قد تختلف مع الشق الثاني، وهو أن تكون إيران شريكاً متساوياً في هندسة الأمن الإقليمي، على قاعدة أن إيران لديها محور يتعارض في استراتيجيات عمله وأهدافه مع محور آخر يستند إلى الدعم الغربي بأجندة سياسية وجيواستراتيجية مختلفة.

في الخلاصة، إيران تسعى إلى تحويل نتيجة الحرب من سؤال عسكري (“من ربح ومن خسر؟”) إلى سؤال سياسي (“من يملك حق المشاركة في صياغة النظام الإقليمي الجديد؟”).

في التقدير الإجمالي، لقد أعادت الحرب بنتائجها الانقلابية طرح المقترحات السابقة التي تصدر عن رؤية استراتيجية حول صيغة النظام الإقليمي القادر على حفظ استقرار وضبط إيقاعه السياسي والاقتصادي والأمني.

في مناقشة الصيغ المتداولة حول النظام الإقليمي الأمثل، أو بالأحرى المناسب، تستعاد أطروحة العمودين المتساندين التي اقترحتها إدارة ريتشارد نيكسون والتي ظهرت في أواخر الستينات مع قرار بريطانيا الانسحاب من الخليج شرق السويس. كانت واشنطن غارقة حينذاك في حرب فيتنام وغير راغبة في نشر قوات كبيرة لحماية الخليج مباشرة، فقررت الاعتماد على قوتين إقليميتين حليفتين هما: إيران الشاه محمد رضا بهلوي والسعودية لتولي مهمة حماية الاستقرار الإقليمي والمصالح الغربية ومنع التغلغل السوفياتي[3].

وكان التصور الأمريكي يقوم على توزيع غير رسمي للأدوار:

  • إيران تؤدي الدور العسكري الرئيسي بسبب حجمها السكاني وقوتها العسكرية وموقعها على ضفتي الخليج ومضيق هرمز.
  • السعودية تؤدي الدور المالي والنفطي والديني بحكم ثقلها الاقتصادي ومكانتها في العالم الإسلامي.

ولكن من الناحيتين العملية والقانونية، لم يكن هناك مشروع لتقاسم النفوذ بين إيران والسعودية مكتوباً كما حدث مثلاً في اتفاقيات تقاسم النفوذ بين القوى الكبرى، ولكن واشنطن كانت تتصور نوعاً من التوازن الوظيفي بين البلدين.

فإيران الشاه كانت تعتبر نفسها القوة الأمنية والعسكرية الأولى في الخليج، بينما كانت السعودية شريكاً مهماً ولكن في موقع أدنى نسبياً. ولهذا يصف بعض الباحثين العلاقة بأنها لم تكن علاقة شريكين متساويين بل علاقة “ركيزة أولى وركيزة ثانية”[4].

ويذهب المؤرخ الإيراني البريطاني رهام الوندي إلى أن السياسة الأمريكية انتقلت تدريجياً من فكرة التوازن بين العمودين إلى منح إيران وضعاً متميزاً خلال الفترة 1969-1972، بحيث أصبحت واشنطن تنظر إلى الشاه بكونه الضامن الرئيسي لأمن الخليج[5]. وكان الشاه في لقائه مع نائب الرئيس الأمريكي نيكسون (الرئيس لاحقاً) سنة 1953 قد ضغط بلا هوادة على نيكسون للتخلي عن سياسة موازنة إيران والسعودية باعتبارهما “الركيزتين التوأم” للخليج، وتبني بدلاً من ذلك هيمنة إيران الإقليمية[6].

على أية حال، فقد انهارت سياسة الركيزتين المتساندتين عملياً عام 1979 بسبب سقوط نظام الشاه وصعود الجمهورية الاسلامية المناهضة للهيمنة الأمريكية في المنطقة. ومنذئذ، انتقلت واشنطن من الإعتماد على إيران والسعودية معاً إلى الاعتماد بصورة متزايدة على السعودية ودول الخليج الأخرى، ثم إلى الوجود العسكري الأمريكي المباشر بعد حرب الخليج 1991.

ما يجدر لفت الانتباه إليه أن المتغيرات الجيوسياسية في الإقليم بعد سقوط الشاه لم يضع نهاية مطلقة لجوهر فكرة الركيزتين المتساندتين، فقد أعيد طرح الفكرة أكثر من مرة بعد سقوط الشاه عام 1979، ولكن ليس بالصيغة الرسمية نفسها التي عاصرتها في عهد نيكسون، بل كفكرة تتعلق بضرورة وجود توازن سعودي – إيراني لإدارة أمن الخليج، وجاءت المبادرات من أطراف مختلفة وفي ظروف تاريخية متباينة.

أولاً: الطرح الأمريكي غير المعلن في التسعينات

بعد انهيار سياسة “العمودين المتساندين” نتيجة الثورة الإيرانية، تبنت واشنطن سياسة مختلفة قائمة على الاحتواء المزدوج (Dual Containment) ضد كل من إيران والعراق في عهد إدارة بيل كلينتون.

لكن عدداً من الباحثين الأمريكيين بدأوا منذ أواخر التسعينات يجادلون بأن استقرار الخليج لن يتحقق على المدى الطويل من خلال عزل إيران، بل عبر إدماجها في ترتيبات أمنية إقليمية تشارك فيها السعودية. وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في كتابات باحثين مثل غاري سيك وريتشارد هاس وغيرهما. غير أن هذه الأفكار بقيت أكاديمية أكثر منها سياسة رسمية.

ثانياً: الطرح الإيراني بعد رئاسة خاتمي

مع وصول السيد محمد خاتمي إلى الرئاسة عام 1997، بدأت إيران تتحدث صراحة عن فكرة أن أمن الخليج ينبغي أن يقوم على تعاون الدول المطلة عليه، وفي مقدمتها السعودية وإيران. وشهدت تلك المرحلة تقارباً ملحوظاً بين طهران والرياض بلغ ذروته بزيارة خاتمي إلى السعودية عام 1999 ثم توقيع الاتفاقية الأمنية السعودية الإيرانية عام 2001. في تلك الفترة ظهر في الأدبيات الإيرانية تعبير غير رسمي يمكن تلخيصه بـ: “إيران والسعودية هما القوتان الطبيعيتان في الخليج”. وكان المقصود أن أي نظام أمني مستقر لا يمكن أن يستبعد أياً منهما.

وربما كان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر من أوائل من قرأوا الموقع الاستراتيجي لإيران في أمن الطاقة في العالم وفي الأمن الإقليمي على وجه الخصوص. وكان ينظر إلى إيران الشاه بصفتها الحليف الأقوى للولايات المتحدة في غرب آسيا بناء على قراءة عميقة لتاريخ إيران والعمق الثقافي والحضاري لهذا البلد. ولفت كيسنجر إلى أن إيران التي تعرضت لأشكال متعددة من الغزو الخارجي، كانت عصية على الذوبان، فقد دحر جميع الغزاة مع مرور الزمن، تاركين وراءهم بقايا اندمجت في شعب لم يفقد هويته الفارسية قط، وفرضت عظمة التطلعات والثقافة الفارسية وعيها الخاص، متجاوزة الأصل القومي، والعرق، وهواية الغزاة[7]. وخلص كيسنجر إلى أن إيران ورقة استقرار في المنطقة.

ثالثاً: بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003

أعاد سقوط نظام صدام حسين طرح الفكرة بصورة جديدة، فبعد أن أصبحت إيران اللاعب الإقليمي الأكثر نفوذاً في العراق وبلاد الشام، بدأ بعض الدبلوماسيين الغربيين والعرب يتحدثون عن ضرورة بناء تفاهم سعودي – إيراني يمنع تحول المنطقة إلى ساحة صراع دائم. في تلك المرحلة برزت تعبيرات مثل التوازن الإقليمي، ولا سيما بعد انسحاب بريطانيا من الخليج[8]. لكن التنافس في العراق ولبنان وسوريا واليمن حال دون تحقيق ذلك.

ثمة مقترح جدي قدمه الرئيس الأسبق باراك أوباما (2009 – 2017) في سياق عقيدة سياسية وجاءت في هيئة دعوة للسعودية بأن عليها “تقاسم” الشرق الأوسط مع إيران، وقال: “إن التنافس بين السعوديين والإيرانيين – الذي ساهم في تغذية الحروب بالوكالة والفوضى في سوريا والعراق واليمن – يحتم علينا أن نقول لأصدقائنا وللإيرانيين على حد سواء إن عليهم إيجاد طريقة فعالة لتقاسم الجوار وإرساء نوع من السلام البارد”[9].

وقد سبق دعوة أوباما مقترح طموح صاغه الباحث الاستراتيجي طراد العمري (المعتقل في السجون السعودية منذ 2016)، في مقالة بعنوان (اتحاد السعودية مع إيران)، ونشر في صحيفة (الحياة) الممولة سعودياً بتاريخ 10 مارس 2014. يرى العمري أن فكرة اتحاد أو تقارب استراتيجي بين السعودية وإيران، رغم ما يبدو عليه من غرابة في السياق الإقليمي المتوتر، ليست مستحيلة بل قد تكون ضرورة تاريخية تفرضها التحولات الجيوسياسية في غرب آسيا. فبعد فراغ القوة الناتج عن تراجع العراق عام 2003 واضطراب الإقليم بعد 2011، أصبحت الرياض وطهران القوتين الإقليميتين الأكثر تأثيراً، ما يجعل استمرار التنافس بينهما مكلفاً للطرفين وللاستقرار الإقليمي.

من منظور العمري، إن تجاوز العقبات العقائدية والتاريخية، والتركيز على المصالح المشتركة، قد يفتح المجال أمام صيغة تعاون أو حتى اتحاد يؤدي إلى استقرار وتنمية في المنطقة. غير أن غياب الثقة، وتعاظم الهواجس المرتبطة بالقدرات العسكرية، كلها عوامل تجعل هذا الاحتمال معقداً وغير مضمون.

وفي المحصلة، يدعو العمري إلى تفكير استراتيجي جديد يتجاوز منطق الحرب الباردة الإقليمية، ويقترح أن الوقت قد يكون قد حان لإعادة تعريف العلاقة بين السعودية وإيران بوصفهما مركزي الثقل الأساسيين في غرب آسيا، بدل بقائهما في حالة تنافس مفتوح يستهلك استقرار المنطقة[10].

الطرح الصيني.. اتفاق بكين 2023

يمكن القول إن أول محاولة سياسية جدية لإحياء منطق قريب من “العمودين المتساندين” جاءت من الصين. فالاتفاق الذي رعته الصين بين السعودية وإيران في مارس 2023 لم يكن مجرد مصالحة ثنائية، بل حمل تصوراً ضمنياً مفاده أن استقرار الخليج يتطلب تقاسم النفوذ الإقليميين الأكبر فيه. وقد لاحظ عدد من الباحثين أن بكين لا تنظر إلى الخليج بمنطق التحالفات العسكرية الأمريكية، بل بمنطق توازن القوى والتعايش بين الرياض وطهران[11].

وعندما يقول الوزير عراقجي: “الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على إقصاء إيران أو تجاهلها”، فهو لا يدعو فقط إلى إشراك إيران في النظام الإقليمي، بل يطرح ضمناً فكرة أن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى إلا بالتفاهم بين دوله كافة. الفرق أن طهران اليوم لا تتحدث عن “عمودين متساندين” كما فعل نيكسون، بل عن أمن إقليمي شامل، ومشاركة جميع دول المنطقة، وتقليص الاعتماد على القوى الخارجية.

وعلى أية حال، قد يكون من الخطأ النظر إلى فكرة نيكسون التي كانت تقوم على مساواة كاملة بين السعودية وإيران كمبادرة قابلة للتجدد حرفياً. فمعظم الدراسات التاريخية تؤكد أن الشاه كان الشريك المفضل لواشنطن، وأن السعودية كانت العمود الثاني الأقل وزناً عسكرياً. وإن الصيغ المطروحة اليوم، سواء من الصين أو من إيران، تقوم نظرياً على مبدأ التكافؤ السياسي بين الرياض وطهران أكثر مما تقوم على تفوق أحدهما على الآخر.

ولهذا يمكن القول إن ما يُطرح حالياً ليس إحياءً حرفياً لمبدأ “العمودين المتساندين”، بل إعادة إنتاج لفكرته الجوهرية في سياق متعدد الأقطاب، حيث تصبح السعودية وإيران ركيزتي التوازن الإقليمي بدلاً من أن تكونا أداتين في استراتيجية أمريكية. مع ملاحظة جوهرية أن نموذج السبعينات كان برعاية أمريكية وفي إطار الحرب الباردة، بينما النموذج الذي تطرحه طهران اليوم يقوم على تقليص الدور الخارجي وبناء ترتيبات أمنية إقليمية مباشرة بين دول الخليج وإيران.

ومن الناحية التاريخية، هيمنت إيران والعراق على الأمن في منطقة الخليج، إلا أن حرب إسقاط النظام في العراق سنة 2003 غيرت المشهد الأمني جذرياً، مما أتاح للسعودية مجالاً للعمل فيه، ولإيران فرصة لتعزيز نفوذها. ومع خروج العراق، شهدت كل من السعودية وإيران زوال تهديد وجودي لأمنهما، على الرغم من أن وجود الولايات المتحدة في العراق غير حسابات الأمن لدى الدولتين. ومن نافلة القول فإن النظرة إلى الولايات المتحدة لدى السعودية وإيران متناقضة تماماً، إذ تعدها السعودية مصدراً للأمن، بينما ترى فيها إيران مصدر إضرار بالأمن الإقليمي[12].

ومن المثير للاهتمام أن بعض الباحثين بدأوا بعد حرب 2026 يتساءلون علناً إذا ما كانت المنطقة تتجه مجدداً – بصورة مختلفة تماماً – نحو صيغة شبيهة بـ”العمودين المتساندين”، لكن هذه المرة بين إيران والسعودية نفسهما، وليس تحت المظلة الأمريكية بل في إطار نظام أمني إقليمي جديد. وهي فرضية تستحق نقاشاً مستقلاً لأنها ترتبط مباشرة بتصريحات عراقجي الأخيرة.

في المدخل، تُعدّ العلاقات بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في تاريخ غرب آسيا الحديث، حيث شكل التنافس والصراع محوراً رئيسياً للديناميكيات الإقليمية لأكثر من أربعة عقود، منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 وما أحدثته من تحولات جذرية في توازنات القوى. غير أن هذه العلاقات شهدت تحولاً مفاجئاً وغير متوقع في مارس 2023، عندما تم توقيع اتفاق بكين بوساطة صينية، أنهى بموجبه البلدان العلاقات الدبلوماسية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار والتقارب.

وتنطلق هنا من سؤال متجدد: هل يمكن أن تعود فكرة “العمودين المتساندين” كإطار للعلاقات السعودية الإيرانية في ظل المتغيرات الراهنة؟ وما هي فرص نجاح شراكة استراتيجية بين البلدين، وما هي التحديات الداخلية والإقليمية والدولية التي تواجهها؟ وكيف أثرت التطورات الأخيرة، خاصة عملية طوفان الأقصى، على مسار هذه العلاقات ومستقبلها؟

الجذور التاريخية والأطر الفكرية

في الإضاءة على المفهوم والسياق التاريخي لنظرية الركيزتين المتساندتين تجدر العودة إلى بداية سبعينيات القرن العشرين، أي مع انسحاب القوة البريطانية من منطقة الخليج عام 1971، حيث طرحت إدارة ريتشارد نيكسون ما عُرف بـ “مبدأ نيكسون”. تقوم هذه النظرية على فكرة أن الولايات المتحدة لا ترغب في الوجود العسكري المباشر والكثيف في المنطقة، بل تفضل الاعتماد على قوتين إقليميتين حليفتين، هما إيران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، والمملكة العربية السعودية، ليكونا بمثابة “عمودين” يحميان المصالح الغربية والأمن الإقليمي، ويحولان دون سيطرة أي قوة خارجية، وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي، على المنطقة[13].

في تلك الفترة، كانت العلاقات بين الرياض وطهران جيدة ومستقرة، واتسمت بالتنسيق في مجالات عديدة، خاصة ملف النفط ضمن إطار منظمة أوبك، والأمن الإقليمي، ومواجهة المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر، والمد الشيوعي. كانت إيران تمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً، بينما تمتلك السعودية ثروة مالية ونفوذاً دينياً وعربياً، وكان يُنظر إليهما كقوتين متكاملتين لا متنافستين.

لكن هذه النظرية، كما أسلفنا، انهارت تماماً مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، التي غيرت هوية النظام السياسي وأهدافه الخارجية، وتحولت إيران من حليف استراتيجي للغرب إلى خصم، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع الأيديولوجي والسياسي مع السعودية، التي رأت في النظام الجديد تهديداً مباشراً لأمنها ومكانتها، وبدأت التنافس يمتد إلى جميع ملفات المنطقة.

لم تختفِ فكرة التعاون أو التحالف بين البلدين رغم عقود الصراع، بل ظهرت مقترحات متعددة من باحثين وقادة سياسيين ترى في هذا التقارب ضرورة لحل مشاكل المنطقة كما في دعوة أوباما لجهة تقاسم النفوذ مع إيران. وقد أثار هذا الطرح غضباً واستياءً كبيراً في السعودية، التي رأت فيه تخلياً أمريكياً عن حلفائها، ومحاولة لفرض واقع جديد يمنح إيران دوراً أكبر من دون مقابل. جاء هذا الموقف في سياق توقيع الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) في يوليو 2015، والذي شعرت السعودية أنه تم التفاوض عليه وتوقيعه دون إشراكها أو حتى إطلاعها على تفاصيله الحقيقة، وشكل تهديداً لأمنها القومي ومحاولة لرفع العقوبات عن إيران وتمكينها من التوسع الإقليمي[14].

الخلاف الجوهرية والملفات المتشابكة

على مدار العقود الماضية، تراكمت ملفات خلافية كثيرة شكلت حاجزاً أمام أي تقارب، ويمكن تلخيصها في ما يأتي:

  • 1 – القضية الفلسطينية: لطالما حسبت السعودية القضية الفلسطينية بوصفها قضية عربية بامتياز، ورفضت بشدة أي دور أو تدخل إيراني فيها، وعدت دعم إيران لحركات المقاومة مثل حماس والجهاد الإسلامي وحتى حزب الله في لبنان، بمثابة محاولة لاختراق العمق العربي وتوظيف القضية لخدمة أهدافها السياسية والأيديولوجية. وكان وزير الخارجية الأسبق سعود الفيصل من أشد المعارضين لهذا التدخل، واعتبره تجاوزاً للخطوط الحمراء[15].

 

  • 2 – العراق: يعد ملف العراق من أشد الملفات حساسية لدى السعودية، وقدمت دعماً سخياً للنظام السابق من أجل الدفاع عما سمي “البوابة الشرقية” في مواجهة إيران الإسلامية. بعد احتلال العراق عام 2003، رأت السعودية أن الولايات المتحدة قد سلمت العراق “على طبق من فضة” إلى إيران، بعد أن أزالت النظام السابق الذي كان يمثل حاجزاً قوياً أمام النفوذ الإيراني[16]. ورغم التعاون السعودي الأمريكي في الملف العراقي، إلا أن تنامي نفوذ إيران في بغداد وسيطرة فصائل المقاومة العراقية على المشهد السياسي العراقي كان مصدر قلق، بل وقلق دائم للرياض، التي ترى في العراق ساحة تنافس مباشرة ومحورية.

 

  • 3 – ملفات التدخل والصراع بالنيابة: تشابكت المصالح وتصادمت في جميع ساحات المنطقة:
    • لبنان: دعم إيران للمقاومة الإسلامية وقوى التحرر في لبنان مقابل الدعم السعودي للقوى السياسية السنية والمسيحية المقربة من الولايات المتحدة وحتى الكيان الإسرائيلي.
    • سوريا: دعم نظام بشار الأسد قبل سقوطه في 8 ديسمبر 2024، مقابل دعم السعودية لفصائل المعارضة السورية بكل أطيافها.
    • اليمن: دعم حركة أنصار الله، مقابل التدخل العسكري السعودي لدعم حكومة عبد ربه منصور هادي.
    • البحرين: اتهامات سعودية مستمرة لإيران بدعم الاحتجاجات والحركات المعارضة فيها، وتالياً تشكل درع الجزيرة في البحرين في منتصف مارس 2011 لقمع الثورة الشعبية التي اندلعت في 14 فبراير من العام نفسه.

4 – أمن الطاقة والاقتصاد: التنافس على حصص السوق النفطية، والسياسات السعرية ضمن أوبك، والتحكم في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وكلها تمس المصالح الحيوية للبلدين.

5 – الأمن الإقليمي والأيديولوجيا: الخلاف حول طبيعة النظام الإقليمي، والخلاف المذهبي والفكري بين النموذجين السياسيين، والاتهامات المتبادلة بزعزعة الاستقرار ونشر الفوضى.

وقد انعكس هذا العمق في الخلافات على موقف السعودية من الوساطات، حيث رفضت لفترات طويلة وساطات باكستان والعراق وعمان، وظلت غير كافية أو غير محايدة، قبل أن تتغير المعادلة وتقبل الوساطة الصينية في مارس 2023، التي أثبتت نجاحاً بفضل توازنها ومصالحها المشتركة مع الطرفين.

اتفاق بكين 2023: التحول الكبير وخلفياته

السؤال المفتاحي هنا: ما هي أسباب التقارب، ولماذا في هذا التوقيت؟

لم يأتِ التقارب السعودي الإيراني في فراغ، بل جاء نتيجة مجموعة من المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي جعلت استمرار الصراع مكلفاً جداً، والتقارب ضرورة استراتيجية لكلا الطرفين:

– على الجانب السعودي:

    • أ – رؤية 2030: فرؤية طموحة كالتي أعلن عنها في أبريل 2016 وما يبشر به من تحول اقتصادي واجتماعي تستوجب بيئة إقليمية مستقرة، وأي توتر أو صراع يهدد الاستثمارات والسياحة والتنمية، ويعيق تحقيق الأهداف الاقتصادية من شأنه أن يعطل الثورة الاقتصادية بصورة كاملة ويفشل الغاية الكبرى: تنويع مصادر الدخل، والتحرر من ربقة النفط مصدر الدخل الرئيس.
    • ج – تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية: شعرت الرياض بأن الولايات المتحدة تتجه نحو تقليل الالتزامات في المنطقة، وتركز على قضايا أخرى كالصين وروسيا، ولم تكن مواقفها حاسمة خاصة بعد الهجمات على منشآت أرامكو عام 2019، مما دفع السعودية لتنويع تحالفاتها وأدوات أمنها.
    • د – استنزاف الموارد: استمرار الحرب على اليمن وملفات أخرى كلف السعودية مليارات الدولارات، وظهرت الحاجة لإعادة توجيه هذه الموارد للتنمية الداخلية.
    • هـ – احتواء ردود الفعل قبل التطبيع: بدأت السعودية منذ مطلع 2023 سلسلة خطوات عديدة للدخول في الاتفاق الإبراهيمي، وتكثفت الاتصالات مع الكيان الإسرائيلي وتبادل الزيارات بين الرياض وتل أبيب. وكشفت تصريحات سفيرة السعودية في واشنطن ريما بنت بندر بن عبد العزيز لقناة إسرائيلية عن رغبة سعودية لتجاوز مجرد التطبيع وتصل إلى حد ما وصفته بـ “التكامل” بين الكيان الإسرائيلي والسعودية[17]. من ناحيته، نفى ولي العهد محمد بن سلمان لقناة فوكس نيوز الأمريكية عن توقف المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي بل أكد على أنه “كل يوم نقترب أكثر”[18].

 

–على الجانب الإيراني:

      • أ ـ الضغوط الاقتصادية والعقوبات: أدت العقوبات الدولية إلى تدهور الوضع الاقتصادي، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وظهرت الحاجة الملحة لفك العزلة وتحسين العلاقات الإقليمية لتخفيف الضغط[19].
      • ب ـ الحاجة إلى استقرار داخلي: عانت إيران من احتجاجات ومشاكل اجتماعية على خلفية الأوضاع المعيشية الضاغطة، ومن شأن الانفتاح على الجوار التخفيف من وطأة الضغوط الخارجية وتعزيز الأمن الداخلي.
      • د ـ مواجهة العزلة: كان التقارب وسيلة لكسر الحصار، وتعزيز الموقف التفاوضي مع الغرب، وإثبات أن إيران لاعب أساسي لا يمكن تجاوزه.

– العوامل المشتركة والدولية:

      • أ ـ صعود الدور الصيني: أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لكلا البلدين، ولديها مصلحة حيوية في استقرار المنطقة وأمن إمدادات الطاقة، وكانت وسيطاً مقبولاً وموثوقاً لأنه لا يحمل أجندة أمنية أو عسكرية مباشرة، ويتبنى مبدأ عدم التدخل.
      • ب ـ تغير موازين القوى العالمية: اتجه العالم نحو التعددية القطبية، وتراجع الهيمنة الأحادية، مما فتح المجال لدول المنطقة لتقرر، جزئياً على الأقل، مصيرها بنفسها، وعدم الارتهان بالكامل إلى معسكر بعينه.

بنود الاتفاق وآليات التنفيذ

نص البيان الثلاثي الصادر في بكين بتاريخ 10 مارس 2023 على النقاط الرئيسية التالية:

      1. استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات والبعثات الدبلوماسية خلال مدة أقصاها شهرين.
      2. التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو البند الأهم والأكثر حساسية.
      3. تفعيل اتفاقيات التعاون السابقة، خاصة الاتفاقية الأمنية لعام 2001، واتفاقية التعاون الاقتصادي والثقافي عام 1998.
      4. الاتفاق على عقد اجتماعات دورية على مستوى وزراء الخارجية والجهات المعنية لمتابعة التنفيذ[20].

وقد تم تنفيذ هذه البنود بالفعل، حيث أعيد فتح السفارات، وتبادل البلدان الزيارات الرسمية، وبدأت لجان فنية في العمل على ملفات التعاون، كما شهدت ملفات الصراع، خاصة اليمن، انخفاضاً كبيراً في وتيرة العمليات العسكرية والتصعيد، مما يعكس جدية الطرفين في الالتزام بالاتفاق.

التأثير المباشر على العلاقات الإقليمية

أحدث الاتفاق تغييراً ملحوظاً في المشهد الإقليمي، وترك أثراً مباشراً على الملفات الرئيسية:

      • اليمن: أدى التقارب إلى تقدم ملموس في مسار السلام، وإن لم يصل إلى تسوية شاملة تبدأ برفع الحصار على اليمن، ودفع التعويضات، والمرتبات والسماح بإطلاق ورشة إعادة إعمار، فما كانت السعودية تعمل على توظيف الاتفاق لوقف الهجمات اليمنية على المنشآت الحيوية في مقابل التزام محدود في ما يرتبط بتداعيات الحرب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على اليمن.
      • العراق: فتح الاتفاق السعودي الإيراني آفاقاً للرياض لتعزيز دورها في الساحة العراقية، وبوصفها حلقة وصل ومحور توازن. وقد عملت السعودية على اختراق الأغلبية الشيعية عبر الزيارات المتكررة التي يقوم بها السفير السعودي في بغداد للمرجعيات الدينية والمسؤولين في المدن الشيعية وأيضاً ضخ أموال في مشاريع استثمارية مشتركة مع فصائل عراقية محسوبة على “الحشد الشعبي” ضمن خطة اختراق المجتمع العراقي.
      • لبنان وسورية: أتاح التقارب فرصة لتنسيق المواقف وتخفيف حدة الانقسامات، وإن كان التأثير هنا أبطأ وأكثر تعقيداً، ولا سيما بعد طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 وتالياً اندلاع الحرب على الجبهة اللبنانية في سبتمبر 2024 وصولاً إلى سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024.
      • أمن الطاقة: ساهم نسبياً في استقرار أسواق النفط، وتنسيق المواقف ضمن أوبك، وتأمين الممرات الملاحة.

  طوفان الأقصى وتداعياته

    • 1 – مسار التطبيع مع إسرائيل وبداية التحول 

قبل أكتوبر 2023، كانت السعودية تتجه بخطى متسارعة نحو تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، في إطار تفاهمات أوسع ترعاها الولايات المتحدة. وكانت هذه الخطوة بمنزلة نقطة تحول كبرى في السياسة السعودية، وتهدف لتحقيق مكاسب أمنية واقتصادية واستراتيجية، كما كانت تمثل تحدياً كبيراً لإيران التي تصنف “إسرائيل” عدواً رئيساً ومشروعاً استعمارياً في المنطقة.

في تلك الفترة، كانت العلاقات السعودية الإيرانية لا تزال في بداية طريقها، وكان هناك توتر وارتياب، واتهمت الرياض طهران بمحاولة تخريب مسار التطبيع، بينما كانت طهران تنتقد هذا المسار وتعتبره خيانة للقضايا العربية والإسلامية.

في 7 أكتوبر 2023، نفذت حركة حماس عملية “طوفان الأقصى”، التي هزت المنطقة والعالم، وأدت إلى حرب إسرائيلية واسعة على قطاع غزة، وغيرت المشهد السياسي بالكامل، وكان لها تأثير عميق ومزدوج على العلاقات السعودية الإيرانية:

      • أ – توقف مسار التطبيع: قررت السعودية فوراً وقف جميع المفاوضات والاتصالات المتعلقة بالتطبيع مع “إسرائيل”، ليس تضامناً مع الشعب الفلسطيني، ولا حتى رفضاً للعدوان، كما أوضح ذلك بوب وود ورد في كتاب (حرب)، وإنما خشية ردود الفعل من الرأي العام المحلي والعربي والإسلامي[21]. ولكن مع مرور الوقت، شعرت السعودية بأن طموحات رئيس حكومة الكيان نتنياهو وفريق اليمين المتطرف تتجاوز مشروع التطبيع وتصل إلى حدود “المشروع التوراتي” بإقامة “إسرائيل الكبرى”، ولذلك بدأت الرياض في إعادة النظر، وحست أن ما يحدث يثبت أن “إسرائيل” لا يمكن أن تكون شريكاً للسلام أو الاستقرار، وتخلت عن كل الوعود الأمريكية في هذا السياق[22].

2 – التحول في الموقف من إيران: في البداية، اتهمت السعودية إيران بالوقوف وراء العملية وتخطيطها، كجزء من سياستها لتخريب المسار الإقليمي، لكن ومع مرور الوقت وتطور الأحداث، توصلت الرياض إلى قناعة بأن العملية كانت قراراً مستقلاً من قيادة حماس، فكانت ترى أن إيران لم تكن تملك وصاية على حلفائها في محور المقاومة ولا سيطرة كاملة أو قراراً نهائياً على كل فصائل المحور.

3 – التقارب في الموقف السياسي: وجد البلدان نفسيهما في موقف سياسي متقارب إلى حد كبير، حيث أدانتا العدوان، وطالبتا بوقف إطلاق النار، ودعمتا الحقوق الفلسطينية، ورفضتا التهجير القسري، وبدأ التنسيق السياسي يظهر في المحافل الدولية، مما عزز الثقة المتبادلة وأثبت أن هناك قواسم مشتركة في القضايا المصيرية.

تداعيات الحرب الإسرائيلية – الإيرانية ودوائرها

في يونيو 2025، شنت “إسرائيل” هجمات مباشرة على أهداف داخل إيران، وردت طهران بضربات مضادة، مما أدى إلى تصعيد خطير هدد بتحول الحرب إلى حرب إقليمية شاملة. في هذا الاختبار الحقيقي للعلاقات، اتخذت السعودية موقفاً مبدئياً في العلن:

  • أدانت الهجمات ورفضت التصعيد، ودعت إلى ضبط النفس.
  • أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو البحري في أي عمل عسكري ضد إيران، مؤكدة التزامها باتفاق بكين.
  • عملت كوسيط ونقلت الرسائل، وسعت لتهدئة الموقف ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مدمرة.

وبالرغم من وجود معطيات لدى الجانب الإيراني تفيد بتورط السعودية في “التسهيل العملياتي” للهجمات الإسرائيلية فإن العلاقة بين الرياض وطهران بقيت في حدود منضبطة.

لقد أثبت هذا الموقف أن اتفاق بكين قد تجاوز كونه مجرد اتفاق دبلوماسي، وأصبح إطاراً أمنياً حقيقياً يحكم العلاقات، وأن مصلحة السعودية في الاستقرار ومنع الحرب أصبحت تتجاوز تحالفاتها التقليدية، وهو ما شكّل دليلاً قوياً على جدية الشراكة الجديدة.

كما آلت الحرب وما تبعها من نتائج لم تكن في صالح “إسرائيل” ولا الولايات المتحدة، وتراجعت حماسة السعودية للتطبيع، ومخاوفها من مشروع “إسرائيل الكبرى” التي يتبناها نتنياهو، كل ذلك جعل السعودية لأن تكون أكثر ميلاً لتعزيز علاقاتها مع إيران كخيار استراتيجي ضروري لمواجهة التحديات المشتركة، وإعادة بناء التوازن الإقليمي.

فرص الشراكة ومجالاتها

بناءً على ما سبق، أول ما يتبادر إلى نوع الشراكة المتخيلة بين الرياض وطهران بعد نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، وما عكسته مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران والتي تم التوقيع عليها الكترونياً في 17 يونيو 2026، وأظهرت إقراراً أمريكياً غير مباشر بانتصار إيران في الحرب هو إعادة إحياء فكرة “العمودين المتساندين” ولكن بصيغة عصرية ومختلفة تماماً عن رؤية نيكسون، تقوم على المصالح المشتركة والسيادة والاحترام المتبادل. وسوف نستعرض هذه الفكرة ومندرجاتها قبل البحث في صيغ أخرى.

أ ـ الفرص الاستراتيجية والأمنية

  • 1 – إعادة بناء التوازن الإقليمي: تفترض هذه المقاربة أن البلدين يمكنهما معاً تشكيل القوة الأكبر والأهم في المنطقة، مع القدرة على وضع قواعد جديدة للأمن الإقليمي تقوم على عدم التدخل واحترام الحدود، وتمنع أي قوة خارجية أو إقليمية من فرض أجنداتها. هذه الشراكة هي الضمانة الأقوى لاستقرار الخليج وغرب آسيا، وتحول دون نشوب حروب مدمرة.
  • 2 – إدارة وحل الصراعات القائمة: وتفترض المقاربة أن السعودية وإيران هما المفتاح الوحيد لحل ملفات اليمن، سوريا، لبنان، العراق. فبدون تنسيق الرياض وطهران، لا يمكن تحقيق سلام دائم في أي من هذه الدول، وبتعاونهما يمكن إنهاء الحروب، وإعادة الإعمار، واستعادة الأمن والاستقرار.
  • 3 – أمن الممرات الحيوية: تفترض المقاربة تقاسم السعودية السيطرة على أهم الممرات المائية في العالم وهي: مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، والخليج. وعليه، فإن التعاون بينهما في تأمين هذه الممرات يضمن تدفق الطاقة والتجارة العالمية، ويحقق مصالحهما الاقتصادية، ويحمي المنطقة من أي تهديدات بحرية أو قرصنة أو هجمات.
  • 4 – مواجهة التحديات المشتركة: يواجه البلدان تحديات متشابهة، منها الإرهاب، التطرف، الجريمة المنظمة، الإتجار بالمخدرات، الأمن السيبراني، والتدخلات الخارجية. التعاون الأمني والاستخباري المشترك هو الطريقة الأنجع لمواجهة هذه الأخطار. ومع أن كل هذه التحديات مشتركة ولكن لدى كل طرف تشخيصه وتصوّره الخاص وكذلك الحلول الفاطنة لكل منها.

ب ـ الفرص الاقتصادية والطاقوية

  • 1 – سوق اقتصادي ضخم: يشكل البلدان معاً سوقاً يزيد عدد سكانه عن 120 مليون نسمة، ويمتلكان ثروات هائلة، وموارد طبيعية، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً. التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثماري سيفتح آفاقاً هائلة للنمو، ويدعم رؤية 2030 السعودية، وخطط التنمية الإيرانية، ويساهم في نهضة المنطقة.
  • على الرغم من النجاح السياسي لاتفاق بكين في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، فإن الانعكاس الاقتصادي ظل محدوداً حتى عام 2025. فقد ارتفعت الصادرات الإيرانية غير النفطية إلى السعودية من نحو 236 ألف دولار في السنة الإيرانية المنتهية في مارس 2024 إلى نحو 23.3 مليون دولار في السنة التالية، إلا أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ما زال بعيداً عن مستوى الشراكات الاقتصادية الكبرى في المنطقة، ويرتبط تطوره المستقبلي بمدى تخفيف العقوبات على إيران وتطوير آليات التمويل والتبادل المصرفي بين الطرفين[23].
  • 2 – تنسيق سياسات الطاقة: فكلا البلدين يعدان من أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز، ولهما دور محوري في أوبك. التنسيق المشترك يضمن استقرار الأسواق، ويدعم الأسعار العادلة، ويعزز دورهما كقوى مؤثرة في الاقتصاد العالمي. كما يمكن التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والصناعات البتروكيماوية.
  • 3 – مشاريع الربط والبنى التحتية: يمكن إقامة مشاريع عملاقة لربط شبكات الكهرباء، والسكك الحديدية، والطرق، والأنابيب، مما يحول المنطقة إلى مركز تجاري واقتصادي عالمي، ويربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وقد تكون خطة إعادة إعمار إيران، بحسب الميزانية المرصودة لها والمقدّرة بـ 300 مليار دولار، والتي يفترض أن تشارك دول الخليج في تأمينها فرصة مناسبة لإرساء استراتيجية شراكة اقتصادية متينة بين البلدين، وبين إيران وبلدان الخليج الأخرى[24].

فيما يلي تفريغ كامل ودقيق للنصوص الواردة في الملفات المذكورة، مع الحفاظ التام على بنية الفقرات والترقيم والهوامش لضمان سهولة القراءة والمطابقة:

أ ـ الفرص الاستراتيجية والأمنية

  • 1 – إعادة بناء التوازن الإقليمي: تفترض هذه المقاربة أن البلدين يمكنهما معاً تشكيل القوة الأكبر والأهم في المنطقة، مع القدرة على وضع قواعد جديدة للأمن الإقليمي تقوم على عدم التدخل واحترام الحدود، وتمنع أي قوة خارجية أو إقليمية من فرض أجنداتها. هذه الشراكة هي الضمانة الأقوى لاستقرار الخليج وغرب آسيا، وتحول دون نشوب حروب مدمرة.
  • 2 – إدارة وحل الصراعات القائمة: وتفترض المقاربة أن السعودية وإيران هما المفتاح الوحيد لحل ملفات اليمن، سوريا، لبنان، العراق. فبدون تنسيق الرياض وطهران، لا يمكن تحقيق سلام دائم في أي من هذه الدول، وبتعاونهما يمكن إنهاء الحروب، وإعادة الإعمار، واستعادة الأمن والاستقرار.
  • 3 – أمن الممرات الحيوية: تفترض المقاربة تقاسم السعودية السيطرة على أهم الممرات المائية في العالم وهي: مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، والخليج. وعليه، فإن التعاون بينهما في تأمين هذه الممرات يضمن تدفق الطاقة والتجارة العالمية، ويحقق مصالحهما الاقتصادية، ويحمي المنطقة من أي تهديدات بحرية أو قرصنة أو هجمات.
  • 4 – مواجهة التحديات المشتركة: يواجه البلدان تحديات متشابهة، منها الإرهاب، التطرف، الجريمة المنظمة، الإتجار بالمخدرات، الأمن السيبراني، والتدخلات الخارجية. التعاون الأمني والاستخباري المشترك هو الطريقة الأنجع لمواجهة هذه الأخطار. ومع أن كل هذه التحديات مشتركة ولكن لدى كل طرف تشخيصه وتصوّره الخاص وكذلك الحلول الفاطنة لكل منها.

ب ـ الفرص الاقتصادية والطاقوية

  • 1 – سوق اقتصادي ضخم: يشكل البلدان معاً سوقاً يزيد عدد سكانه عن 120 مليون نسمة، ويمتلكان ثروات هائلة، وموارد طبيعية، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً. التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثماري سيفتح آفاقاً هائلة للنمو، ويدعم رؤية 2030 السعودية، وخطط التنمية الإيرانية، ويساهم في نهضة المنطقة.
  • على الرغم من النجاح السياسي لاتفاق بكين في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، فإن الانعكاس الاقتصادي ظل محدوداً حتى عام 2025. فقد ارتفعت الصادرات الإيرانية غير النفطية إلى السعودية من نحو 236 ألف دولار في السنة الإيرانية المنتهية في مارس 2024 إلى نحو 23.3 مليون دولار في السنة التالية، إلا أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ما زال بعيداً عن مستوى الشراكات الاقتصادية الكبرى في المنطقة، ويرتبط تطوره المستقبلي بمدى تخفيف العقوبات على إيران وتطوير آليات التمويل والتبادل المصرفي بين الطرفين[23].
  • 2 – تنسيق سياسات الطاقة: فكلا البلدين يعدان من أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز، ولهما دور محوري في أوبك. التنسيق المشترك يضمن استقرار الأسواق، ويدعم الأسعار العادلة، ويعزز دورهما كقوى مؤثرة في الاقتصاد العالمي. كما يمكن التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والصناعات البتروكيماوية.
  • 3 – مشاريع الربط والبنى التحتية: يمكن إقامة مشاريع عملاقة لربط شبكات الكهرباء، والسكك الحديدية، والطرق، والأنابيب، مما يحول المنطقة إلى مركز تجاري واقتصادي عالمي، ويربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وقد تكون خطة إعادة إعمار إيران، بحسب الميزانية المرصودة لها والمقدّرة بـ 300 مليار دولار، والتي يفترض أن تشارك دول الخليج في تأمينها فرصة مناسبة لإرساء استراتيجية شراكة اقتصادية متينة بين البلدين، وبين إيران وبلدان الخليج الأخرى[24].

ج ـ الفرص السياسية والثقافية

  • 1 – دور قيادي في العالم الإسلامي: تمتلك السعودية مكانة دينية كحاضنة للحرمين الشريفين، وتمتلك إيران نفوذاً فكرياً وثقافياً وازناً. وإن توافقهما وتعاونهما يعيدان للعالم الإسلامي دوره ومكانته، ويساهم في توحيد المواقف تجاه القضايا المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
  • 2 – تعزيز الاستقلالية والسيادة: فالشراكة تمنح المنطقة قوة تفاوضية أكبر مع القوى الكبرى، وتسمح لدول المنطقة ببناء علاقات متوازنة مع الجميع، دون أن تكون تابعة لطرف واحد، وتحقق مبدأ “المنطقة للمنطقة”.
  • 3 – الحوار الثقافي والمذهبي: يمكن أن يكون التعاون جسراً للحوار بين المذاهب الإسلامية، ونبذ خطاب الكراهية والعداء، وتعزيز القيم المشتركة، مما يساهم في علاج أحد أخطر مصادر التوتر والانقسام في المنطقة.

معوقات الشراكة

رغم كل هذه الفرص والإمكانات، فإن الطريق نحو شراكة حقيقية واستراتيجية لا يزال محفوفاً بالكثير من التحديات والصعوبات ذات صلة بأبعاد هيكلية وتاريخية وسياسية وأيديولوجية لا يمكن تجاوزها بسهولة، وتحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.

أ/ التحديات الهيكلية والأيديولوجية

  • 1 – طبيعة النظامين السياسيين: الاختلاف الجذري في طبيعة النظام السياسي، ومرجعياته، ورؤيته للعالم، هو التحدي الأكبر. السعودية نظام ملكي تقليدي، يعتمد على تحالفات عربية وغربية، بينما إيران نظام جمهوري إسلامي يقف في مواجهة مباشرة مع الهيمنة الغربية. هذا الاختلاف الجوهري ينجب رؤى مختلفة تماماً لكيفية إدارة المنطقة ومصالحها.
  • 2 – الخلاف الأيديولوجي والمذهبي: لا يزال الخطاب الأيديولوجي والخلاف المذهبي حاضراً يقود، ويمثل جزءاً من الهوية السياسية لكلا الطرفين، ويتداخل معه التنافس على القيادة والزعامة في العالم الإسلامي، وكلاهما يسعى ليكون النموذج والمرجع.
  • 3 – الثقة المفقودة: تراكمت على مدى أربعة عقود ذكريات من الصراع والتهديدات، والشكوك التي لا تزال قائمة. كل طرف يراقب تحركات الآخر بريبة، ويرى أن أي خطوة قد تكون تكتيكية وليست استراتيجية، ويتساءل: هل هذا التقارب حقيقي أم مجرد مرحلة مؤقتة؟

ب ـ الملفات الإقليمية العالقة

  • 1 – ملف التدخل: رغم الاتفاق على عدم التدخل، إلا أن لكل من السعودية وإيران حلفاء في كل الدول المتنافس عليها نفوذاً. وبرغم من أن إيران تصنّف عادة بأنها من تحتفظ بشبكات واسعة من الحلفاء والفصائل المسلحة في لبنان، سوريا، العراق، اليمن، فلسطين، فإن السعودية لديها شبكات مماثلة ولكن غير معلنة ليس في هذه الدول فحسب، بل وفي دول أخرى لم تعلن عنها مثل أفغانستان، وليبيا والسودان وبلدان أفريقية أخرى. وهذه الوجودات المسلّحة تمثل أوراق ضغط قوية لدى الدول، وتتصرف أحياناً وفق جداول أعمالها الخاصة، وقد تخرج عن سيطرة هذه الدول، مما يخلق توترات دائمة.
  • 2 – البرنامج النووي والصاروخي: كان الملف النووي الإيراني من النقاط الخلافية التي تنظر إليها السعودية بوصفه تهديداً لها، ولذلك عبّرت عن معارضتها للاتفاق النووي مع إيران في عهد إدارة أوباما سنة 2015. ولذلك طالبت في المفاوضات اللاحقة بضمانات واضحة وشفافة، بينما تعده إيران حقاً مشروعاً للدفاع عن النفس، ورفضاً للهيمنة. ومن أجل طمأنة الجانب السعودي، قامت طهران بتقديم مقترح بتشكيل كونسورتيوم نووي إقليمي يضم السعودية والإمارات[25].
  • 3 – الخلاف حول القضية الفلسطينية: رغم التقارب الأخير في الموقف، فإن الرؤى مختلفة تماماً تجاه كيفية التعامل مع “إسرائيل”. وعلى الرغم من الخلاف المتجدد بين الرياض وتل أبيب، فإن السعودية لا تزال تعمل ضمن إطار “المبادرة العربية” وإن كان بجرعة مخففة بتخفيض سقف المطالب من حل الدولتين إلى مسار مضمون نحو الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، بينما إيران لا تعترف بـ “إسرائيل” وتعدّها عدواً يجب زواله، وهذا الاختلاف قد يعود ليظهر بقوة في أي مرحلة مقبلة. وقد ازداد تمسك إيران بهذا المعتقد بعد حربين عدوانيتين على إيران في يونيو 2025 وفبراير 2026.

ـ التحديات الخارجية ودائرة القوى الكبرى

  • 1 – الدور الأمريكي: الولايات المتحدة لا تزال اللاعب الأكبر والأقوى في المنطقة، ولها مصالح استراتيجية وعلاقات وثيقة مع السعودية، وعداء تاريخي مع إيران. واشنطن لا تريد أن ترى تحالفاً قوياً ومستقلاً يخرج عن سيطرتها، وقد تحاول عرقلة أو تقييد هذا التقارب، أو العمل على إبقاء العلاقات ضمن حدود معينة لا تهدد نفوذها. نعم، بعد فشل أهداف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والانحسار التدريجي للقوة الأميركية تجد السعودية فرصة استثنائية لإعادة تقييم مستويات التدخل والنفوذ الخارجي في سياساتها وقراراتها المصيرية، كما فعلت بعد الحرب العالمية الأولى وأفول الإمبراطورية العثمانية حيث عقدت تحالفاً مع بريطانيا العظمى، وفعلت بعد الحرب العالمية الثانية بعد أفول شمس بريطانيا العظمى وصعود الولايات المتحدة كقطب عالمي، وهي اليوم أمام مفترق تاريخي مماثل وإن لم يحسم بصورة نهائية.
  • 2 – الدور الإسرائيلي: يعد الكيان الإسرائيلي إيران عدواً أول، ويعمل بكل جهده لمنع أي تقارب سعودي إيراني، كونه يمثل تهديداً لأمنه ومستقبله، وسيستخدم كل أدواته السياسية والإعلامية والأمنية لزعزعة هذا التقارب وإفشاله. وقد نشطت الماكينة الدعائية الإسرائيلية والأميركية على شيطنة إيران وتصعيد خطرها على الدول الإقليمية في ظل ضعف المؤسسة الإعلامية الإيرانية القادرة على تقويض السردية الإسرائيلية.
  • 3 – التحالفات الإقليمية الأخرى: هناك دول إقليمية أخرى مثل تركيا، الإمارات، مصر، وحتى بعض القوى الإقليمية الصغيرة، قد لا ترى في هذا التقارب مصلحة لها، وقد تسعى لخلق توازنات مضادة، أو دعم أطراف مختلفة، مما يخلق تعقيدات إضافية.

التحديات الداخلية

لكل من إيران والسعودية تحديات داخلية قد تؤثر على مسار العلاقات:

  • ـ في المملكة العربية السعودية: هناك تحديات تتعلق بوتيرة الإصلاح، والوضع الاقتصادي، والعلاقات مع الحلفاء التقليديين، ومدى قبول الرأي العام والدوائر المحافظة لسياسة الانفتاح على إيران.
  • ـ في إيران: هناك تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، وخلافات داخلية بين التيارات السياسية المختلفة، ومدى قدرة النظام على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، والالتزام بها، ومواجهة المعارضة الداخلية التي قد ترى في التقارب تنازلاً أو تهديداً للمبادئ الثورية.

سيناريوهات المستقبل

بناءً على تحليل الفرص والتحديات، والمتغيرات الحالية، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لمستقبل العلاقات السعودية الإيرانية، ومدى تحولها إلى شراكة حقيقية.

السيناريو الأول: استمرار التقارب وتطوره نحو شراكة استراتيجية

وهذا الاحتمال يقع في مستوى متوسط-مرتفع، ووفق هذا السيناريو تستمر الاتصالات والزيارات، وتتسع مجالات التعاون، ويتم تحويل الاتفاقات إلى مشاريع واقعية، ويتم التوصل إلى تفاهمات شاملة حول الملفات الخلافية، وتدريجياً يتم بناء الثقة المتبادلة.

ولكن هذا السيناريو مشروط بمتطلبات لنجاحه:

  • ـ أن يدرك الطرفان أن مصلحتهما العليا والأمنية تقتضي تجاوز الماضي والخلافات.
  • ـ أن ينجحا في إيجاد صيغة مقبولة لإدارة ملفات الوكلاء والتدخلات، وتحديد قواعد واضحة للعبة.
  • ـ أن يتحول التقارب من تكتيك لمواجهة ضغوط معينة إلى خيار استراتيجي ثابت.
  • ـ أن يتمكن البلدان من إدارة علاقاتهما مع القوى الكبرى، والحفاظ على استقلالية قرارهما.

وفي النتائج:

  • ـ إعادة إحياء فكرة “العمودين المتساندين” ولكن بصيغة جديدة تقوم على الشراكة والتنمية والاستقلال.
  • ـ تشكيل نظام أمني إقليمي جديد، بقيادة الرياض وطهران، يضمن الاستقرار والسلام.
  • ـ حل معظم الصراعات الإقليمية، ونهضة اقتصادية وتنموية كبرى في المنطقة.
  • ـ تحول غرب آسيا إلى قطب دولي مؤثر ومستقر.

السيناريو الثاني: تجميد العلاقات أو العودة إلى التنافس المنضبط

وهذا الاحتمال يبقى راجحاً، حيث يستمر الحد الأدنى من العلاقات الدبلوماسية، ويحافظ البلدان على قنوات اتصال مفتوحة لمنع التصعيد، لكنهما لا يصلان إلى شراكة حقيقية، وتظل الخلافات الجوهرية قائمة، ويعود التنافس إلى الظهور في الملفات المختلفة، ولكن بوتيرة أقل حدة، وضمن قواعد تمنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

وأسباب ذلك هي:

  • ـ عدم القدرة على تجاوز الخلافات الأيديولوجية والملفات الشائكة.
  • ـ ضغوط داخلية أو خارجية تحد من قدرة القيادات على المضي قدماً.
  • ـ بقاء الشكوك والريبة، وعدم توفر الثقة الكاملة.

وفي النتائج:

  • ـ حالة من “السلم البارد” أو “التنافس المتحكم فيه”.
  • ـ استمرار الأزمات والصراعات، ولكن بوتيرة أقل، وغياب الحلول الجذرية.
  • ـ استمرار التدخلات الخارجية، وعدم تحقق الاستقرار الكامل.
  • ـ استمرار الحاجة إلى وسطاء مثل الصين وعمان والعراق، وباكستان التي لعبت دوراً محورياً في مفاوضات وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

هذا السيناريو هو الأقرب للوضع الحالي، والأكثر واقعية في المدى القصير والمتوسط، لأنه يوازن بين مصلحة الطرفين في عدم العودة إلى المواجهة، وبين استحالة تجاوز كل الخلافات دفعة واحدة.

السيناريو الثالث: انهيار الاتفاق والعودة إلى المواجهة والصراع

والاحتمال هنا منخفض ولكنه ممكن، وفي هذا السيناريو تنهار الاتفاقات، وتنقطع العلاقات، وتعود المنطقة إلى مربع الصراع والعداء، وربما لتصاعد الأمور إلى مواجهات عسكرية مباشرة أو حروب بالوكالة أوسع وأكثر دموية.

ومن الأسباب المحتملة:

  • ـ حدوث تطورات دراماتيكية، مثل تغيير القيادة في أحد البلدين، أو انهيار الوضع الداخلي.
  • ـ مواجهة أمنية كبرى، أو عمل عسكري يُنسب لأحد الطرفين.
  • ـ ضغوط خارجية هائلة تنجح في تفكيك التقارب، وإعادة رسم التحالفات القديمة.
  • ـ فشل كامل في تنفيذ بنود الاتفاق، وعدم الالتزام بالوعود.

وفي النتائج:

  • ـ عودة التوتر والتصعيد، وانهيار أي فرص للسلام.
  • ـ استمرار استنزاف الموارد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
  • ـ عودة القوى الخارجية للسيطرة الكاملة وتوظيف المنطقة لخدمة صراعاتها.
  • ـ تفكك الدول، وانتشار الفوضى والانقسامات.

في خلاصة هذه المقاربة، أن فكرة “العمودين المتساندين” كما طرحها نيكسون في السبعينيات كانت قائمة على رؤية استعمارية تهدف لخدمة المصالح الغربية، وقد انهارت بفضل المتغيرات الكبرى. لكن الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها، وهي أن هاتين القوتين هما مفتاح أمن المنطقة واستقرارها، كانت صحيحة ومؤكدة ذات يوم، ولكن السؤال: هل يمكن إعادة إحيائها بصيغة عصرية ومختلفة تماماً تقوم على السيادة والندية والمصالح المشتركة فحسب، من دون حساب المتغيرات البنيوية في موازين القوى.

بالنظر إلى الماضي، أثبتت التجربة أن التنافس بين السعودية وإيران لم ينجح في تحقيق أي مكاسب حقيقية لأي منهما، بل أدى فقط إلى استنزاف الموارد، وانتشار الفوضى، وتمكين القوى الخارجية من السيطرة. في المقابل، أثبت اتفاق بكين 2023 أن التقارب ممكن، وضروري، ويمكن أن يحقق نتائج إيجابية ملموسة، كما أثبتت أحداث غزة والحرب الإيرانية الإسرائيلية أن هناك قواسم مشتركة ومصالح حلها لتجاوز الخلافات القديمة.

فرص الشراكة كبيرة ومتعددة، وتشمل جميع المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وهي قادرة على تغيير وجه المنطقة بالكامل. لكن الطريق لا يزال طويلاً وشائكاً، ومحفوفاً بتحديات هيكلية وتاريخية وخارجية، تتطلب صبراً وحكمة وإرادة سياسية قوية.

إن المستقبل الأكثر ترجيحاً هو استمرار مسار التقارب، ولكن بوتيرة بطيئة وحذرة، وتطوره ليصبح “تنافساً تعاونياً”، حيث يحتفظ كل طرف بهويته ومصالحه، ولكنهما يتعاونان في ما يخدم الأمن والاستقرار المشترك، ويدير الخلافات عبر الحوار والتفاهم. وبهذا المعنى، فإن الشراكة الكاملة والاستراتيجية ليست مسألة “هل ستحدث؟”، بل هي مسألة “متى وكيف ستحدث؟”، وهي الخيار الوحيد القادر على إنقاذ المنطقة من دوامات الصراع، وبناء مستقبل آمن ومستقر ومزدهر.

السيناريو الثالث

ثمة سؤال استراتيجي: لماذا تقبل إيران بسياسة العمودين المتساندين، بعد أن خرجت من الحرب الأميركية الإسرائيلية في فبراير 2026 وقد اكتشفت مصادر قوتها وأيضاً فرصها التاريخية. ولتستشرف المستقبل، وإذا ما طبقت بنود مذكرة التفاهم وبدأت مرحلة إعادة الاعمار وتلاها انفتاح ايران على الخارج وقدوم الشركات الدولية، مشفوعاً بسيطرة ايران على مضيق هرمز، وجرأتها غير المسبوقة على الرد على أي تهديد تتعرض له، أي أنها بعد الحرب التدميرية استطاعت ان تستكشف مصادر قوتها ومصادر ضعف الآخرين، فلماذا يفرض عليها شراكة بشروط الآخرين، وأن السعودية التي كانت ترفض القبول بتقاسم النفوذ مع إيران، فإن موقع ايران اليوم يختلف بعد الحرب، إذ بات لديها أفضليّة جيوسياسية واستراتيجية، وعليه يمكن أن تختار نوع الشراكات التي تشاء، فضلاً عن أن السعودية لم تعد بالقوة التي كانت عليها وهي التي تواجه تعثرات في مشاريعها الاقتصادية ومشكلات الداخل المستورة.. السؤال هنا: هل إيران مضطرة الى العودة الى مبدأ العمودين المتساندين وقد رفضتها الشاه لاعتقاد بأن قوته تفوق قوة السعودية؟

نقطة الانطلاق هنا هي: ما الذي تغير فعلياً بعد حرب 2026؟

ثمة من يرى أن التحول الأهم في البيئة الإقليمية بعد حرب 2026 ليس “من انتصر عسكرياً”، بل نوع النظام الذي نشأ بعد الحرب: نظام لا هو سلام مستقر ولا هو حرب مفتوحة، بل حالة “لا حرب / لا سلم”. وهذا النمط لم يُنتج إعادة توزيع واضحة للهيمنة، بل أنتج ما يصفه توماس جونز، الباحث في الشؤون الإيرانية واليمنية، بأنه: “توازن قلق قائم على الردع المتبادل واستمرار القدرة على تعطيل الممرات البحرية دون القدرة على الحسم العسكري الكامل”[26].

الأهم هنا أن إيران لم تخرج من النظام الإقليمي، ولم تُهزم فيه أيضاً، بل أصبحت فاعلاً قادراً على:

  • ـ تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو التحكم بها جزئياً.
  • ـ استخدام “الضغط البحري” كورقة تفاوض مزمنة.
  • ـ البقاء داخل الاقتصاد العالمي عبر قنوات انتقالية (خصوصاً آسيا).

في المقابل، لم تتحول السعودية إلى قطب مهيمن، بل إلى مركز استثمار وطاقة عالمي لكنها ما تزال معرضة لضغط جغرافي بحري عند هرمز.

هذا التعادل غير المتناظر هو أساس كل السيناريوهات المقبلة. وهنا لا يعود مفهوم “العمودين المتساندين” كتحالف أو شراكة، بل يتحول إلى ما يمكن تسميته: توازن قلق مدار (Managed Asymmetric Bipolarity).

ولكن كيف يعمل هذا النظام؟

ولكن كيف يعمل هذا النظام؟

من الناحية المبدئية، تحاول إيران تثبيت حق التأثير على أمن الطاقة العالمي، وهذا يتطلب استخدام هرمز كـ “أداة تفاوض لا تُستخدم بالكامل إلا عند الضرورة”. وقد أظهرت التطورات بعد 2026 أن إيران انتقلت من منطق الإغلاق الكامل إلى منطق: التحكم الانتقائي بالملاحة وفرض رسوم أو تصاريح عبور.

في المقابل، السعودية تتحرك في اتجاه تقليل الاعتماد على هرمز عبر مسارات بديلة (البحر الأحمر والأنابيب)، وبناء اقتصاد أقل حساسية للصدمات الجيوسياسية لكنها لا تستطيع “فك ارتباطها الجغرافي” بالمضيق. والنتيجة: نظام يشبه “العمودين” لكن مع فارق جوهري: ليس توازن قوة متكافئ وإنما توازن اعتماد متبادل قسري. فإيران لا تستطيع بناء نظام إقليمي منفرد، والسعودية لا تستطيع تحييد إيران بالكامل.

ويمكن القول، بين 2026 و2035، إيران ليست “مضطرة” نظرياً إلى العودة إلى منطق العمودين المتساندين، لكنها عملياً محكومة ببيئة لا تسمح لها ببديل أفضل. وفي المقابل، السعودية سوف تكون شاءت أم أبت أمام إيران جديدة، وعليها التعايش معها والدخول معها في شراكة ما حين تدخل إلى معادلة الأمن والطاقة بكامل قوتها.

إن من أبرز نتائج الحرب:

  • 1 – تحويل القوة الردعية إلى مكاسب اقتصادية وسياسية. بعد الحرب، أثبتت إيران أنها لا تُهزم، لكنها في الوقت نفسه أدركت أن استمرار حالة المواجهة المفتوحة سيستهلك طاقتها في وقت تحتاج فيه لتركيز الموارد على:
    • ـ إعادة بناء البنية التحتية المتضررة، التي قُدّرت تكلفتها الأولية بنحو 350 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي.
    • ـ جلب استثمارات دولية في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل، وهي استثمارات لا تتدفق إلا في ظل اتفاق أمني يقلل من مخاطر الصراع.
    • ـ تثبيت وضعها كقوة ضامنة لتدفق الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز، وليس كعقبة أمام هذا التدفق.
  • 2 – إعادة تعريف الشراكة: من “تقاسم النفوذ” إلى “المنفعة“ الفارق الأهم: في السابق كانت السعودية تحظى بمكانة مساوية بفضل دعم أمريكي، أما اليوم فالشراكة تقوم على تقسيم أدوار وظيفي وليس مساواة مطلقة:
    • ـ إيران تحتفظ بدورها الرئيسي في تأمين الممر المائي، وضمان عدم تهديده من أي جهة.
    • ـ السعودية تتحمل مسؤولية استقرار السوق النفطية، وتسهيل وصول الاستثمارات، وتخفيف التوتر في المحيط العربي.
    • ـ الاتفاق يمنع أي طرف من استغلال الفراغ أو شن حرب النيابة، وهو ما يخدم إيران التي تمتلك شبكات نفوذ واسعة وتريد تحويلها من أدوات مواجهة إلى أدوات ضمان استقرار.
  • 3 – واقع السعودية الجديد يغير المعادلة لم تعد السعودية في وضع يسمح لها برفض مبدأ التشارك أو فرض شروطها، وذلك لعدة أسباب:
  • ـ تعثر تنفيذ “رؤية 2030” نتيجة ارتفاع تكاليف المشاريع، وتراجع الإيرادات النفطية، وارتفاع مستوى الدين العام إلى ما يزيد عن 32% من الناتج المحلي، وفق تقارير صندوق النقد الدولي.
  • ـ تراجع الالتزام الأمريكي بالحماية الشاملة، حيث أصبحت واشنطن تفضل تقليل تواجدها العسكري المباشر في المنطقة وتحميل الأعباء على القوى المحلية.
  • ـ إدراكها أن أي صراع جديد مع إيران سيؤدي إلى توقف شبه كامل لحركة التجارة في الخليج، مما يضر باقتصادها أكثر من أي طرف آخر[27].

النتيجة: تتحول المنطقة إلى منطقة توازن ذاتي، تقل فيها فرص التدخل الخارجي، وتحصل إيران على ما تريده من انفتاح مع الحفاظ الكامل على أوراق قوتها.

الاستنتاج الاستراتيجي، إيران اليوم ليست مضطرة للقبول بمبدأ العمودين، بل ترى فيه خياراً تكتيكياً يسمح لها بترجمة انتصارها المعنوي والعسكري في الحرب إلى مكاسب مستدامة. الفرق بينها وبين عهد الشاه واضح تماماً:

  • ـ الشاه رفضه لأنه أراد الهيمنة الكاملة بدعم خارجي.
  • ـ إيران تقبله لأنها تريد تثبيت توازن يضمن لها على المدى القصير والمتوسط الاستقلال، الأمن، والازدهار، دون أن تتخلى عن أي من مصادر قوتها التي اكتسبتها بعد حرب فبراير 2026.

البيان الخليجي الأميركي.. العودة إلى الوراء!

في 25 يونيو 2026، صدر بيان عن الاجتماع الوزاري في المنامة بين الولايات المتحدة ممثلة بوزير خارجيتها ماركو روبيو ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، عبّر فيه روبيو عن “التزام الولايات المتحدة الراسخ تجاه أمن دول مجلس التعاون”. وجدّد وزراء مجلس التعاون الخليجي “التزامهم القوي بالشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون”.

وفيما رحب الوزراء بمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، فإن البيان جاء بمجموعة شروط تلتقي مع أهداف الولايات المتحدة و”إسرائيل”، أو ما عبّروا عنه بـ “الهدف المشترك” المتمثل في “منع إيران من تطوير سلاح نووي أو حيازته بأي شكل من الأشكال”. وتبع ذلك سلسلة أهداف أخرى متطابقة مع الأهداف الأميركية والإسرائيلية مثل منع إيران من حيازة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ودعم فصائل المقاومة. وأيضاً، إعادة فتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط، بل ذهب البيان الى حد التهديد الاقتصادي وحث التجارة والاستثمار مع إيران مشروطة وقابلة للإلغاء ارتهاناً بالتزام إيران “بمذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، ووقف سلوكها المزعزع للاستقرار، وتهيئة الظروف اللازمة للتعاون الاقتصادي”.

لناحية لبنان، عبّر البيان الأميركي الخليجي عن دعم خيار المفاوضات المباشرة بين السلطة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية، في تجاوز واضح لمقتضيات المبادرة العربية التي تربط الاعتراف بالكيان الإسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية. اللافت في الملف اللبناني رفض الربط بين مسار التفاوض اللبناني الاسرائيلي بمذكرة التفاهم الأميركي الإيراني ولا سيما البند الأول منها والتي تنص على انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، والتي وضعت في البيان الخليجي الأميركي بطريقة مواربة بما نصه: “أهمية الحفاظ على مسار عملية التفاوض، وألا ترتبط بأي نزاعات أخرى”، في إشارة الى الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ونتائجها. كما ذهب وزراء مجلس التعاون وأميركا الى الترحيب بوضع خطة عملية لنزع سلاح المقاومة، بدعوى “استعادة احتكار الدولة اللبنانية للقوة”. الشيء ذاته تكرر في ملف غزة، حيث ربط البيان بين إعادة إعمار غزة بنزع سلاح المقاومة[28].

في التحليل، يحمل البيان دلالات استراتيجية تتجاوز الصياغات الدبلوماسية التقليدية، ويكشف عن ملامح إعادة ترتيب إقليمية واسعة في مرحلة ما بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران. ويمكن قراءة البيان على عدة مستويات مترابطة:

  • تتعثر تنفيذ “رؤية 2030” نتيجة ارتفاع تكاليف المشاريع، وتراجع الإيرادات النفطية، وارتفاع مستوى الدين العام إلى ما يزيد عن 32% من الناتج المحلي، وفق تقارير صندوق النقد الدولي.
  • تراجع الالتزام الأمريكي بالحماية الشاملة، حيث أصبحت واشنطن تفضل تقليل تواجدها العسكري المباشر في المنطقة وتحميل الأعباء على القوى المحلية.
  • إدراكها أن أي صراع جديد مع إيران سيؤدي إلى توقف شبه كامل لحركة التجارة في الخليج، مما يضر باقتصادها أكثر من أي طرف آخر [27].

النتيجة: تتحول المنطقة إلى منطقة توازن ذاتي، تقل فيها فرص التدخل الخارجي، وتحصل إيران على ما تريده، من انفتاح مع الحفاظ الكامل على أوراق قوتها.

الاستنتاج الاستراتيجي، إيران اليوم ليست مضطرة للقبول بمبدأ التدويل، بل ترى فيه خيارًا تكتيكيًا يسمح لها بترجمة انتصارها المعنوي والعسكري في الحرب إلى مكاسب مستدامة. الفرق بينها وبين عهد الشاه واضح تمامًا:

  • الشاه رفضه لأنه أراد الهيمنة الكاملة بدعم خارجي.
  • إيران تقبله لأنها تريد تثبيت توازن يضمن لها على المدى القصير والمتوسط الاستقلال، الأمن، والازدهار، دون أن تتخلى عن أي من مصادر قوتها التي اكتسبتها بعد حرب فبراير 2026.

البيان الخليجي الأميركي.. العودة إلى الوراء!

في 25 يونيو 2026، صدر بيان عن الاجتماع الوزاري في المنامة بين الولايات المتحدة ممثلة بوزير خارجيتها ماركو روبيو ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، عبّر فيه روبيو عن “التزام الولايات المتحدة الراسخ تجاه أمن دول مجلس التعاون”، وجدّد وزراء مجلس التعاون الخليجي “التزامهم القوي بالشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون”.

وفيما رحب الوزراء بمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، فإن البيان جاء بمجموعة شروط تلتقي مع أهداف الولايات المتحدة و”إسرائيل”، أو ما عبّروا عنه بـ “الهدف المشترك” المتمثل في “منع إيران من تطوير سلاح نووي أو حيازته بأي شكل من الأشكال”. وتبع ذلك سلسلة أهداف أخرى متطابقة مع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية مثل منع إيران من حيازة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ودعم فصائل المقاومة، وأيضًا، إعادة فتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط، بل ذهب البيان إلى حد التهديد الاقتصادي وربط التجارة والاستثمار مع إيران مشروطة وقابلة للإلغاء ارتهانًا بالتزام إيران “بمذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، ووقف سلوكها المزعزع للاستقرار، وتهيئة الظروف اللازمة للتعاون الاقتصادي”.

لناحية لبنان، عبّر البيان الأميركي الخليجي عن دعم خيار المفاوضات المباشرة بين السلطة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية، في تجاوز واضح لمقتضيات المبادرة العربية التي تربط الاعتراف بالكيان الإسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية. الملفت في الملف اللبناني رفض الربط بين مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي بمذكرة التفاهم الأميركي الإيراني ولا سيما البند الأول منها والتي تنص على انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، والتي وضعت في البيان الخليجي الأميركي بطريقة مواربة بما نصته: “أهمية الحفاظ على مسار عملية التفاوض، وألا ترتبط بأي نزاعات أخرى”، في إشارة إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ونتائجها. كما ذهب وزراء مجلس التعاون وأميركا إلى الترحيب بوضع خطة عملية لنزع سلاح المقاومة، بدعوى “استعادة احتكار الدولة اللبنانية للقوة”. الشيء ذاته تكرر في ملف غزة، حيث ربط البيان بين إعادة إعمار غزة بنزع سلاح المقاومة [28].

في التحليل، يحمل البيان دلالات استراتيجية تتجاوز الصياغات الدبلوماسية التقليدية، ويكشف عن ملامح إعادة ترتيب إقليمية واسعة في مرحلة ما بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، ويمكن قراءة البيان على عدة مستويات مترابطة:

إليك تفريغ النصوص الكامل والدقيق للصور الخمس المرفقة (20.jpg و 21.jpg و 22.jpg و 23.jpg و 24.jpg) مرتبة حسب تسلسل الصفحات وبشكل يسهل قراءته:

أولاً: تثبيت مبدأ “احتواء إيران مقابل إدماجها المشروط”

للمرة الأولى منذ سنوات، يجمع البيان بين الترحيب بمذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية وبين التشديد على ضرورة مواجهة “جميع أشكال التهديدات الإيرانية”. وهذا يعني أن دول الخليج والولايات المتحدة لا تتجهان نحو سياسة مواجهة شاملة مع إيران، ولا نحو تطبيع غير مشروط معها، بل نحو صيغة وسط يمكن وصفها بـ “الاحتواء المنظم”.

فالبيان يرحب بمذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو، لكنه يجعل أي انفتاح اقتصادي أو استثماري على إيران “مشروطاً وقابلاً للإلغاء”، وهو ما يشير إلى محاولة بناء نظام إقليمي جديد تكون فيه إيران جزءاً من معادلة الاستقرار، ولكن ضمن قيود استراتيجية صارمة.

وهذا يعيد إلى الأذهان بصورة مختلفة سياسة “العمودين التوأمين” التي انتهجتها الولايات المتحدة في الخليج خلال سبعينيات القرن العشرين، مع فارق جوهري هو أن العمود الإيراني الجديد، إن تشكل، سيكون مقيداً بشبكة واسعة من الالتزامات والضمانات الدولية والإقليمية.

ثانياً: الانتقال من سياسة تغيير الأنظمة إلى سياسة نزع القدرات العسكرية غير الحكومية

اللافت، أن البيان يستخدم لغة متشابهة تجاه عدة ساحات إقليمية:

  • في لبنان: الدعوة إلى نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية.
  • في غزة: الدعوة إلى نزع سلاح جميع الفصائل المسلحة.
  • في العراق: دعم حصر السلاح بيد الدولة.
  • في سوريا: دعم الحكومة المركزية في مكافحة الإرهاب وبناء الدولة.

وهذا يشير إلى ظهور مبدأ إقليمي جديد يمكن تسميته “احتكار الدولة للسلاح”، وهو ما يعني عملياً إنهاء النموذج الذي ساد المنطقة خلال العقدين الماضيين والقائم على فصائل المقاومة العابرة للدولة.

ثالثاً: إدراج لبنان ضمن مسار التسويات الإقليمية الكبرى

يُعد الجزء الخاص بلبنان من أكثر أجزاء البيان أهمية. فالحديث عن “المفاوضات الثنائية الجارية بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة” والهادفة إلى “اتفاق سلام وأمن دائم” يتجاوز كثيراً مجرد ترتيبات وقف إطلاق النار.

كما أن تأكيد الوزراء أن هذه العملية “يجب ألا ترتبط بأي نزاعات أخرى” يشير إلى محاولة فصل الملف اللبناني عن الصراع الإيراني – الأميركي / الإسرائيلي الأوسع، أي إخراج لبنان من منطق “وحدة الساحات” وإدخاله في منطق التسويات الثنائية.

وهذا يعني أن مستقبل لبنان، وفق هذا التصور، يرتبط بثلاثة شروط مترابطة:

  1. ترسيم الحدود النهائية.
  2. احتكار الدولة للسلاح.
  3. إدماج لبنان في منظومة الأمن الإقليمي الجديدة.

رابعاً: تكريس دور خليجي مباشر في إعادة تشكيل غزة

البيان لا يتحدث عن مساعدات إنسانية فقط، بل يشير إلى مشاركة خليجية “تاريخية” في ما يسمى “مجلس السلام”، وإلى مساهمة مباشرة في إعادة الاستقرار والإعمار.

وهذا يعكس انتقال دول الخليج من موقع الممول الخارجي إلى موقع الشريك السياسي والأمني في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، مع الإصرار على:

  • نزع سلاح فصائل المقاومة.
  • إنشاء إدارة فلسطينية تكنوقراطية.
  • إصلاح السلطة الفلسطينية.
  • ربط إعادة الإعمار بمسار سياسي مستقبلي.

خامساً: إعادة تعريف موقع العراق الإقليمي

يحمل القسم الخاص بالعراق رسالة مزدوجة:

  • دعم الحكومة العراقية الجديدة في حصر السلاح بيد الدولة.
  • تحميل فصائل المقاومة العراقية المرتبطة بإيران مسؤولية تهديد أمن الخليج.

وهذا يعني أن واشنطن ودول الخليج تنظران إلى العراق بوصفه ساحة انتقالية يجب تحويلها من مجال محور المقاومة بقيادة إيران إلى دولة ضمن النظام الإقليمي الجديد بقيادة أميركا وأن تكون متصالحة مع الكيان الإسرائيلي.

سادساً: عودة واضحة للمظلة الأمنية الأميركية

رغم كل الحديث خلال السنوات الماضية عن الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، فإن البيان يؤكد عودة صريحة للدور الأميركي بكونه الضامن النهائي للنظام الأمني الخليجي.

فوزير الخارجية الأميركي أكد “الالتزام الراسخ” بأمن الخليج، بينما جددت دول المجلس التزامها بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بما يعني أن البدائل المطروحة سابقاً، سواء الصينية أو الروسية أو فكرة الأمن الإقليمي المستقل، لم تتحول إلى بديل فعلي للمظلة الأميركية.

وفي الخلاصات، إذا جرى تنفيذ ما ورد في هذا البيان، فإن المنطقة قد تكون أمام عودة إلى النظام الإقليمي القائم على التبعية الخليجية للولايات المتحدة. ولهذا يمكن النظر إلى بيان المنامة 2026 ليس كمجرد بيان ختامي لاجتماع وزاري، بل بكونه أقرب إلى وثيقة تأسيسية أولية لنظام إقليمي شرق أوسطي جديد، ما تزال فرص نجاحه وإخفاقه مفتوحة على حد سواء.

وكان الرد الإيراني على البيان واضحاً في النظر إليه كصيغة متجددة للتدخل الأميركي في المنطقة، وأن “المواقف الواردة في البيان تدخلية وغير مسؤولة واستفزازية” [29].

يمكن النظر إلى الرد الإيراني بوصفه وثيقة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، ليس لأنه رد على البيان الخليجي – الأميركي فحسب، بل لأنه يكشف أيضاً حدود التكيف الإيراني مع النظام الإقليمي الجديد الذي بدأ يتشكل بعد حرب فبراير 2026. فاللافت أن طهران لم ترفض مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، ولم تنسحب من مسار التسوية، لكنها في الوقت نفسه رفضت الأسس السياسية والأمنية التي يحاول البيان الخليجي – الأميركي ترسيخها.

ويمكن تحليل الرد الإيراني على خمسة مستويات رئيسية:

أولاً: قبول التسوية مع رفض النظام الإقليمي الناتج عنها

ثمة مفارقة أساسية في البيان الإيراني، فمن جهة، تؤكد طهران التزامها بمذكرة التفاهم، بل تستند إليها قانونياً في موضوع مضيق هرمز. ومن جهة أخرى، ترفض جملة وتفصيلاً معظم النتائج السياسية والاستراتيجية التي تريد واشنطن ودول الخليج البناء عليها.

وهذا يعني أن إيران تقبل بإنهاء الحرب، لكنها لا تقبل بعد بالترتيبات السياسية التي تريد الولايات المتحدة تحويلها إلى نظام إقليمي دائم. بمعنى آخر، تريد إيران وقف الحرب، ولكنها لا تريد الاعتراف بأنها خرجت منها في موقع الطرف الذي يعاد دمجه وفق شروط الآخرين.

ثانياً: محاولة قلب سردية الحرب

الرد الإيراني يقوم على إعادة بناء الرواية الاستراتيجية للحرب الأخيرة. ففي حين يقدم البيان الخليجي – الأميركي الحرب باعتبارها دليلاً على ضرورة احتواء إيران ونزع أدوات نفوذها الإقليمية، تقدمها طهران بوصفها دليلاً على خطورة الوجود الأميركي نفسه.

ولهذا السبب ركز البيان على ثلاث نقاط:

  • أن الولايات المتحدة استخدمت قواعد دول الخليج للاعتداء على إيران.
  • أن الوجود العسكري الأميركي مصدر انعدام أمن وليس مصدر استقرار.
  • أن بعض الدول الخليجية تتحمل مسؤولية مباشرة عن الحرب.

وهذه ليست مجرد اتهامات سياسية، بل هي رسالة ردع استراتيجية موجهة إلى العواصم الخليجية مفادها أن أي حرب مستقبلية ستجعل أراضيها جزءاً من ساحة الصراع.

ثالثاً: رفض العودة إلى مفهوم “الوكيل الإيراني”

من أهم ما يكشفه البيان الإيراني رفضه الصريح للمنطق الذي يحكم البيان الخليجي – الأميركي، وهو اعتبار قوى المقاومة في المنطقة امتدادات للسياسة الإيرانية.

فإيران تعمد إلى إعادة تعريف هذه القوى باعتبارها: حركات مقاومة وطنية، وليست وكلاء لطهران، وأن شرعيتها مستمدة من مقاومة الاحتلال لا من علاقتها بطهران.

رابعاً: استعادة مشروع الأمن الإقليمي بدون الولايات المتحدة

الجزء الأكثر أهمية ربما هو إعادة إحياء الطرح الإيراني التقليدي القائم على:

“الأمن الإقليمي يجب أن يتحقق بواسطة دول المنطقة ومن دون تدخل خارجي”.

هذا الطرح ليس جديداً، لكنه اكتسب معنى جديداً بعد الحرب. فإيران تدرك أن البيان الخليجي – الأميركي يمثل محاولة لإعادة تثبيت المظلة الأمنية الأميركية في الخليج، ولذلك تحاول تقديم بديل استراتيجي يقوم على:

  • إخراج الولايات المتحدة من معادلة الأمن الإقليمي.
  • إقامة منظومة أمن جماعي إقليمية.
  • تحويل دول الخليج من حلفاء لواشنطن إلى شركاء في ترتيبات أمنية مباشرة مع طهران.

يمكن القول إن حرب 2026 انتهت عسكرياً، لكنها لم تنته سياسياً. فالبيان الخليجي – الأميركي يحاول تأسيس نظام إقليمي جديد تكون فيه إيران دولة طبيعية ذات نفوذ محدود ومشروط، بينما يحاول الرد الإيراني منع تثبيت هذه النتيجة، والسعي إلى إعادة التفاوض على قواعد النظام الإقليمي نفسه. وبعبارة أخرى، فإن الصراع في حرب آسيا انتقل من حرب الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى حرب تعريف النظام الإقليمي لما بعد الحرب، وهي حرب سياسية ودبلوماسية قد تستمر سنوات طويلة.

بناءً على ما سبق، يمكن النظر في نظام إقليمي جديد يستند إلى شروط عادلة وجريئة للوصول إلى مرحلة الشراكة بين دول الخليج وإيران والعراق بعيداً عن التدخل الأجنبي وهي:

  1. بناء الثقة خطوة بخطوة: يجب أن يبدأ التعاون في المجالات الأقل حساسية والأكثر نفعاً مثل الاقتصاد والطاقة والتجارة والثقافة، لأن نجاحها سيسهم في بناء الثقة اللازمة لمعالجة الملفات الأمنية والسياسية المعقدة. وقد تأتي فكرة احتضان السعودية لمؤتمر مصالحة بين دول الخليج وإيران في سياق احتواء تداعيات الحرب وأيضاً إرساء أساس جديد لعلاقة تشاركية بين الدول المطلة على الخليج [30].
  2. وضع مدونة سلوك إقليمية: الاتفاق على مبادئ واضحة وملزمة لعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ووقف أي تعاون مع القوى الأجنبية يهدف الإضرار بدول المنطقة، واحترام سيادة الدول، وتحديد قواعد التعامل في ساحات الصراع المشتركة.
  3. تفعيل دور الوسطاء: الاستمرار في الاعتماد على الوسطاء الموثوقين مثل الصين وعمان وعراق، والاستفادة من تجربتهم في تسهيل الحوار، وضمان استمرار المسار.
  4. إشراك الشعوب والمثقفين: دعم الحوار الثقافي والديني والشعبي، وإزالة الصور النمطية السلبية، لأن الشراكة لا يمكن أن تستمر إلا إذا كانت مدعومة من الرأي العام في كلا البلدين.
  5. إدارة العلاقات مع القوى الكبرى: التعامل مع الولايات المتحدة والصين وروسيا بذكاء، وتأكيد أن الشراكة السعودية الإيرانية لا تتعارض مع أي علاقات قائمة، بل هي تصب في مصلحة الاستقرار العالمي، وأنها تعزز استقلالية المنطقة وسيادتها.
  6. تحويل الملفات الخلافية إلى فرص: النظر إلى الملفات العالقة كفرص للتعاون وليس فقط كخلافات، فحل مشكلة اليمن أو سوريا ولبنان والسودان وباقي الملفات العالقة والخلافية هو مصلحة مشتركة، ونجاحه سيعود بالنفع على الجميع.

المصدر: مركز طوى للدراسات

 

 

 

The post إيران بعد الحرب .. السعودية بين تقاسم النفوذ أو الجمود على الماضي appeared first on قناة نبأ الفضائية.

Share This Article
Facebook Email Print
Previous Article قاليباف: تنفيذ التزامات واشنطن في لبنان شرط للمرحلة المقبلة وإيران مستعدة للحرب ولن تتنازل عن حقوقها في هرمز
Next Article هيومن رايتس ووتش: حظر تجارة الاتحاد الأوروبي مع المستوطنات الإسرائيلية التزام قانوني لا خيار سياسي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا

اعثر علينا على الوسائط الاجتماعية
FacebookLike
XFollow
YoutubeSubscribe
TelegramFollow

النشرة الأسبوعية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على أحدث مقالاتنا على الفور!
[mc4wp_form]
أخبار شعبية
عاجل

غوتيريش: الاحتلال قتل أكثر من ألف فلسطيني منذ وقف النار والاستيطان يهدد مستقبل الدولة الفلسطينية

قطيفيون
By
قطيفيون
ساعتين ago
بعد صدمة المونديال .. النظام السعودي يستغل سباقات الطائف لتغطية الفشل وتلميع صورته
حماس: اقتحام بن غفير لسلوان تصعيد لتهويد القدس واستهداف مباشر للمسجد الأقصى
بن غفير يقتحم سلوان ومقبرة باب الرحمة وسط حماية مشددة وتصعيد متواصل في محيط الأقصى
هيومن رايتس ووتش: حظر تجارة الاتحاد الأوروبي مع المستوطنات الإسرائيلية التزام قانوني لا خيار سياسي
- الإعلانات -
Ad image
حالات فيروس كورونا العالمية

Confirmed

0

Death

0

معلومات اكثر: إحصائيات كوفيد -19
انضم إلى قناتنا!
​تابع آخر الأخبار والتغطيات الحصرية مباشرةً عبر قناتنا الرسمية على تليجرام.
اضغط هنا للاشتراك في القناة 🚀
​انضم إلى آلاف المتابعين الآن.
إذاعة قطيفيون
Welcome Back!

Sign in to your account

Username or Email Address
Password

Lost your password?