ليس هناك موسم مفعم بالروح الثورية كما هو عاشوراء. فما أن يطل على المؤمنين حتى يشعر بعضهم بأنه فرصة للتزود الإيماني والثوري في آن واحد. وبرغم مرور القرون على واقعة كربلاء، فالواضح أنها تتجدد بشكل متواصل، ولا تتوقف عن التأثير في الكثيرين. وما من أحد يطّلع على وقائعها بقدر من التجرّد حتى يشعر بأن عليه إعلان الانتماء للمشروع الحسيني القائم على الإصلاح والتغيير والتصدّي للظلم والاستبداد. وبرغم محاولات أنظمة الظلم منع الاحتفاء بهذا الموسم، فإنه يستعصي على المنع والاحتواء، ويفرض نفسه بقوّة تعجز عن محاكاتها ما لدى الظالمين من إمكانات مادّيّة وعسكرية. وهذا أحد أسرار ثورة الإمام الحسين عليه السلام الذي هتف للتاريخ باعلى صوته: هيهات منا الذلة. هذا الموقف الذي يأبى الضيم والاستسلام هو نفسه الذي يفرض مقاييس أخرى للتعاطي مع الحاكم المنحرف: مثلي لا يبايع مثله. فمن اراد أن يكون مثل الحسين فعليه أن يتعمّق في تفكيك المفهوم والمصداق هنا، فما سمات ذلك الذي لا يملك مواصفات الحاكم المستحقّ البيعة؟
الأمر المؤكد أن فرض الحاكم نفسه على الشعب بالقوّة لا يوفر له شرعية دستورية أو شعبية. ومن يفعل ذلك يجد نفسه في صراع متواصل مع الشعب، ولا يهنأ بوجوده في الحكم. وقد تعصف به الأيام فإما أن يسقط أو يموت. وهكذا تُصنع الثورات. فحينما يتم تجاهل إرادة الشعوب، ويتم التحايل على رغبتها، تتوتر الأوضاع وتعصف التوترات وربما الثورات بالأنظمة الحاكمة، وقد ينجم عن ذلك حمامات من الدم. وحتى لو لم يحدث ذلك، فإن البلدان تستمر في نزيف داخلي مستمر، أقلّ مصاديقه توسع السجون وتصاعد أعداد المعتقلين السياسيين، وبموازاة ذلك تتداعى المستويات الأخلاقية للأنظمة الحاكمة فتبدأ بالتنكيل والتعذيب والاضطهاد. والإنسان العاقل يرفض أن يبني حياته على ظلم الآخرين، والحاكم العادل لا يؤسس ملكه على جماجم الشهداء وأجساد الأبرياء. فسفك الدماء لا ينسجم مع القيم والأخلاق، بل يعبّر عن انحراف ووحشية مفرطة. ولقد وهب الله سبحانه وتعالى روح الإنسان حصانة من القتل، وتوعّد من يقتل البشر بعذاب شدبد: “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”. فليس من حق أحد إزهاق حياة البشر خصوصا المصلحين منهم. قال تعالى: “إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النّبيّين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشّرهم بعذاب أليم.”
وسجون البحرين شاهدة على ذلك. فما تزال مكتظة بمعتقلي الرأي الذين قضى الكثيرون منهم أكثر من خمسة عشر عاما وراء القضبان، حتى اعتادوا الحياة بعيدا عن الأجواء الاجتماعية في بلدانهم. فمثلا قضى الاستاذ حسن مشيمع حتى الآن أكثر من 22 عاما من حياته بين القضبان في سجون الظالمين. فهل هناك حاكم ينتمي للإنسانية يصادر حياة مواطن بإيداعه في السجن لمجرد مطالبته السلمية بإصلاح سياسي؟ هؤلاء الحاكمون ورثوا الظلم والاستبداد من المشروع الأموي الذي استكثر على الحسين عليه السلام رفضه الاستسلام ومبايعة حاكم جائر ورث الحكم عن أبيه وليس بتفويض شعبي حرّ. كان الحسين رجل الساعة، فقد وقف موقفه وأدلى بشهادته للتاريخ، وضحّى بنفسه من أجل الله والدّين والإنسانية. وفي العاشر من المحرم من العام 61 بعد الهجرة، أي بعد نصف قرن من رحيل جدّه رسول الله، وجد نفسه الوارث الشرعي ليس للرسالة السماوية الأخيرة فحسب، بل لكل رسالات السماء، وأن المشروع الدّيني الإلهي آل إليه كأخر سبط لسلالة الأنبياء. في زمن انقلب الأمويون على آخر رسالات السماء وحاولوا خطف الدّين وتحريفه وتوجيهه لخدمة مصالحهم وأطماعهم، لاذ أغلب الناس بالفرار من أمام الزحف الأموي. وحتى من بقي من صحابة رسول الله فضّل السلامة على التصدّي للانحراف، ولم يبق إلّا الحسين عليه السلام الذي تجسّد الإسلام في شخصه.
ولكي يُفهم مغزى نداء الحسين يوم عاشوراء “أما من ناصر ينصرنا” يجدر إعادة قراءة مشهد السنوات العشر التي أعقبت استشهاد الإمام الحسن بن علي عليه السلام في العام 50 بعد الهجرة. هذه الحقبة شهدت تحولات عديدة بعد أن تمكّن معاوية من الهيمنة على الأمّة في غفلة من أهلها وصحابتها وعلمائها. وأصبحت الأمّة محيّدة في صراع الإسلام المحمّدي مع المشروع الاموي، فلاذت بالصمت واللامبالاة. وحده كان الحسين يدرك مآلات الوضع، وكيف استُكمل الانقلاب على موقع آل بيت رسول الله في المشروع الالهي بعد أن تم تحريف الرسالة، ابتداء بتحريف تأويل القرآن، مرورا بوضع الحديث على لسان رسول الله، وانتهاء بإقصاء آل بيته عن موقع التأثير. وعمد المشروع الأموي لتحريف قول رسول الله: “إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي”. وما أن أغمض محمد عينيه حتى بدأ الانقلابيون في تنفيذ خططهم، حتى بلغ الأمر أن يُنصّب يزيد “خليفة” للمسلمين برغم انحراف شخصيته وتنكرها للدّين. وهنا حدث استقطاب غير مسبوق. فالحسين، وارث رسالات السماء، لا يستطيع التراجع عن مسؤوليته الدّينية والتاريخية. فلو فعل ذلك لانتهت الرسالة بروحها ومقاصدها.
إن من الخطأ حصر إحياء ذكرى عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين بالأساليب التقليدية في المآتم والحسينيات. فمن يرث الأنبياء يجد نفسه مطالبا بحمل إرثهم كاملا، فينفتح على العالم ويخاطب البشرية بلغة تفهمها. ولذلك مطلوبٌ من المتصدّين للشأن السياسي في بلدان العالم الإسلامي، ومنها البحرين، توضيح المسار الثوري المتصل بالتراث الحسيني والهادف للتصدّي لأنظمة الاستبداد خصوصا القائمة على أساس الإرث القبلي والثقافات المحلّيّة الموروثة من الأجيال السابقة. فقد جدّد الحسين معنى “الخروج” على الحاكم الجائر، مؤكدأ أنه لم يخرج “أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما”. ومؤكدا أن الإصلاح يمثل دافعه الأول للخروج. وقد استوعبت الأجيال المتعاقبة جوهر نهضة الحسين عليه السلام، ولم تتوقف عند ذكر مصيبته فحسب، بل اعتبرت تلك المصيبة مدخلا لاستيعاب حقيقة ثورة الحسين، والسعي لإسقاطها على الواقع، لكي تتحقق الشرعية المطلوبة من كل حراك سياسي يهدف للتغيير. ولطالما تحوّلت الأيام العشرة الأولى من شهر محرم من كل عام إلى تظاهرة سياسية تستمد شرعيتها من قضية الحسين، وتؤسس أهدافها على ما تلفّظ به من أقوال في الأسابيع الأخيرة التي سبقت استشهاده.
لقد انطلق شعبنا البحراني في ثورته ونضاله ضد العصابة الحاكمة، مستفيدا من التجربة الحسينية، ومستمدا شرعية تصدّيه للحاكم الظالم من كلمات الإمام الحسين الواضحة حول وجوب التصدّي والردّ على الظلم والاستبداد والابتعاد عن أحكام الله. ولا يحتاج المناضلون للكثير من العناء لربط مسارهم النضالي بموروثهم الثوري المستمد من ثورة كربلاء. وهكذا تتضح أهمية عاشوراء كمحطّة سنوية للنشطاء وعشاق الحسين والمصلحين، من أجل الانطلاق في مشروع التغيير والإصلاح وفق النهج الحسيني. ويدرك هؤلاء الناشطون أن تلك المسيرة تضمّنت تضحيات كثيرة نجم عنها حالات استشهاد كثيرة في صفوف المتصدّين لقضاياهم بوعي وإدراك. فحركة التاريخ لا تتوقف، يلتحق بها الساعون للتغيير وطلّاب الإصلاح أينما انتشر ظلم السلطة وفسادها. إن ديناميكية التغيير المنبثق عن توجيه ديني تحول دون توقف حركة التغيير التي أطلقها الإمام الحسين عليه السلام، ووفّر لها شرعية واضحة عندما جعلها أمرا واجبا على المؤمنين. وعلى أساس ذلك، فلا مناص عن مواصلة التحرك من أجل تغيير أوضاع الناس وفق الموازين الشرعية والانتماء العقائدي. على هذا الطريق سار ثوار البحرين وعشّاق الشهادة ومحبو الحسين والراغبون في نيل ما عند الله من الثواب الجزيل. إنهم لا شك منتصرون، ولا شكّ أن أعداءهم مهزومون الآن وبعد حين. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لنا قدم صدق عندك، وفك قيد اسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
26 يونيو 2026
ظهرت المقالة على خطى الحسين، انطلق شعبنا للإصلاح والتغيير أولاً على صوت البحرين.


